آذان الإفطار ..

أيار 12th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..


 

كان الشيخ طه يختصر المسافة , فيرفع آذان الإفطار من على سطح منزله ,


  تاركا أمر الصلاة إلى أن تبتل عروقه ويهدأ جوعه . والناس يراقبونه مع آخر ذيول الشمس التي يبتلعها البحر المتوسط ..


تشخص العيون وتنتظر , تستجدي الشيخ  , وتتوسل إليه ألا يتباطأ كعادته .

 

يبدأ طقوسه بأن ينظر في ساعته . ثم يذرع سطح المنزل بخطى وئيدة لا تعنيها عقارب الزمن .

 

ما زالت العيون تستجدي  , وتدعو الله أن يلهمه الصواب , وألا يلعب بأعصابهم كما يفعل كل يوم .

 

كعادته , يجلس على كرسي أعدت خصيصا له , بعد أن يستهلكه التعب والجوع . ثم ينظر إلى ساعته , ويطرق برأسه نحو الأرض .

 

يتبادل الناس الأحاديث والهمهمات .. وينكرون عليه هذا التلكؤ , ويقسم بعضهم أن موعد الآذان قد حان .. لكن المؤذن يتعمد التأخير . فيرد عليه آخر بأن الصيام الصحيح يقتضي أن نلتزم بآذان القرية .

 

يقف مرة أخرى , يضع يده على أذنه فيستبشر الناس خيرا , وتغرق وجوههم في البشر والفرح .

لكنه يتردد , فينزل يده مرة أخرى , بعد أن يدقق النظر في ساعته , فيعود  البؤس وسوء المزاج يكدرالوجوه .

 

قال أحدهم : زنديق , هذا الرجل زنديق , والغريب أننا ما زلنا نعتبره المرجع الأعلى في هذه القرية ..

 

رد عليه آخر فقال : وماذا نتوقع من شيخ يقضي معظم وقته في المقهى يلعب الورق ؟

 

قال آخر :  يا جماعة , دخلت عليه منزله منذ  يومين , والسيجارة في فمه , وحين سألته : ما هذا يا شيخ ؟

 

قال : ليس على المريض حرج .. ثم تابع حديثه : ومن قال لك بأن التدخين يفسد الصيام ؟

مجرد هواء يدخل الجوف ثم يخرج ..

 

عاد يتأمل ساعته … ثم دنا منه طفل صغير , وقد ناوله كأسا . ما لبث أن أفرغه في جوفه ..

"أفطر المؤذن ". قال أحدهم .

ــــــــ : لكنه لم يرفع الآذان بعد .

قال آخر

ــــــــ : تمهلوا قليلا يا جماعة . حتى يرفع الآذان ..

 

عادت العيون تستجمع بريقها , وتسلطه بكل إخلاص نحو المؤذن ..

 

وضع الكأس جانبا , ثم جلس على الكرسي , عاد الطفل بيده طعاما . تناوله الشيخ على مهل . ثم عاد ينظر في الساعة .

 

قال أحدهم : حين يفطر الإمام ,فذلك تصريح بالإفطار , حتى لو لم يرفع الآذان ..

ـــــــ : أسكت , أسكت , إياك أن تفتي في أمور الدين .

 

لا يجوز الإفطار قبل الآذان .

" ما رأيك يا شيخ علي , فيما يفعله الشيخ طه ؟ " قال أحدهم , موجها حديثه إلى ذلك الشاب , الذي أنهى دراسته الجامعية في الأزهر منذ عام ونيف .

 

المزيد


الحصار …. قصة قصيرة

كانون الثاني 17th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 

لا يدرك سامي سبب التغير الذي طرأ على أخيه المختار ..

 

فمنذ أن ضبط سامي زوجة أخيه مع وهدان .. أصبح يقرأ في عيني أخيه لوما وتقريعا .. لا بد أن تكون هي من ألبت المختار على أخيه ..

وهدان ! كيف جاء إلى هذه القرية منذ سنوات .. فأحسن المختار وفادته … وأفسح له جزءا من منزله كي يقيم فيه ..

 

وبعد سنوات قليلة ادعى ملكية المنزل .. وكاد أن يلقي بالمختار إلى قارعة الطريق …

 

كان أكثر ما يزعجه في الأمر غرفته التي يقيم فيها ..

 

غرفة صغيرة تقع بين المنزلين : منزل وهدان و منزل المختار .. بابها الشرقي يفضي إلى بيت المختار .. وبابها الغربي يفضي إلى وهدان ..

 

منذ أيام ضبط زوجة أخيه مع وهدان .. هنا : في غرفته الصغيرة … نظر إليهما من ثقب الباب … ورآهما في عناق مريب ..

لن يخبر أخيه بالأمر .. ذلك أنه يعلم النتيجة .. سيجد من أخيه اللوم والتقريع .. أما زوجة أخيه فسوف تحرض عليه المختار .. وتكون النتيجة كالعادة .. في غير صالحه …

تزوج  المختارمنذ خمس سنوات .. لكنه لم ينجب حتى الآن …

طلب الناس من المختار أن يتزوج مرة أخرى لعل الله يرزقه طفلا يكون مختارا من بعده .. أو أن يبايع أخيه سامي كي يكون وريثه المنتظر .. لكن المختار آثر ألا يتحدث في هذا الموضوع .. ولم يسمح  أن يتدخل أحد في شأنه ..

 

طفق الناس يخوضون في علاقة وهدان بزوجة المختار .. بل إن بعضهم كان يؤكد أن زوجة المختار حامل .. وأخذ يربط بين هذا الحمل … ووهدان ..

 

لم يجد المختار بدا من أن يصارح زوجته بما يشعر به من همز ولمز وهمس يكاد أن يستقر في أذنه بوضوح   وجلاء …

 

قالت زوجته : سامي .. سامي هو السبب ..

قال المختار : بل وهدان …. سبب كل البلاء ..

قالت الزوجة : لا بد أن نتخلص من الاثنين .. سامي .. ووهدان ..

قال المختار : وهدان ؟؟ كيف ؟

 قالت : سنوقع بينهما …

 

صمتت برهة ثم تابعت تقول : سنوصد باب غرفة سامي … فلا يبقى له سوى الباب الذي يفضي إلى بيت وهدان …

قال المختار : وهدان قذر … سيقضي على سامي

قالت : سامي ليس أقل قذارة .. دعك منهما يا مختار ..

 

قال المختار : إياك أن تذهبي إلى بيت وهدان .. أيا كان السبب ..

 

قالت : حاضر يا مختار .. لن أذهب ..

 

أحكم المختار إغلاق باب غرفة سامي …. وحين علم وهدان بذلك … كاد أن يطير فرحا … وأوصد هو الآخر باب سامي …

 

زار وهدان المختار … أقسم له أن سامي سبب كل ما يتناقله الناس من حديث يسيء للمختار وزوجته … وأقسم له أن لا علاقة بينه وبين زوجة المختار .. ثم اتفقا على أن يشددا الخناق على سامي .. وألا يسمحا له بمغادرة غرفته .. كي لا يتمادى في خلق الإشاعات .. وإثارة الفتن ..

 

كان الحصار يضيق على سامي … الغذاء والدواء لا يكفيان … والماء شحيح وغير صحي …

 

وحين أبدى المختار تعاطفا وشفقة … ردعته زوجته وقالت : دعه الآن يا مختار .. دعه حتى أضع الطفل …

وبعد ذلك …. سنتدبر الأمر ..

 

كان سامي يميل للهزال يوما بعد يوم …وكان يستنجد بأخيه تارة …. وبوهدان تارة أخرى … لكن دون جدوى …

 

بقي الحال هكذا حتى وضعت زوجة المختار …

 

 فرح الجميع بالمولود الجديد …  بل أعلن المختار أن ولده سيكون المختار من بعده .. فبايعه أهل القرية على ذلك … ودعوا له بطول البقاء …

 

أما سامي فلم ينساه المختار من عطفه وكرمه … وقدم له كمية وفيرة من الطعام ..

 

قال سامي لأخيه : أنت تحاصرني من الشرق .. والقذر وهدان من الغرب … وأنا يا أخي لا طاقة لي بذلك …

المزيد


حوار تحت الأنقاض .. قصة قصيرة

كانون الثاني 15th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول, قصة ..

قالت الطفلة لأمها :لم أعد أشعر بأزيز الطائرات وفرقعة القنابل .. ماذا جرى يا أمي ؟

قالت الأم وهي تحتضن طفلتها :

لأننا يا حبيبتي .. متنا ..

قالت الطفلة : لكن وجهك يغرق بالدماء يا أمي .. هل تتألمين ؟

قالت الأم : أنت أيضا تغرقين في الدماء .. الأموات لا يشعرون يا حبيبتي ..

ــــــ : هل سنبقى هكذا يا أمي ؟

ــــــ : كلا يا ابنتي … لا بد أن يأتوا بعد قليل ..

ــــــ : وماذا يفعلون لنا ؟

ــــــ : سوف تنقلنا سيارات الإسعاف للمستشفى

ـــــــ : وماذا يفعلون لنا في المشفى ؟ هل يعيدون لنا الحياة ..

ـــــــ : كلا يا ابنتي … سنبقى في ثلاجة الموتى .. حتى يهيئون لنا قبرا …. وبعد ذلك يوارونا التراب ..

ـــــــ : لا أريد ذلك يا أمي .. لن أذهب معهم

ــــــــ : أترفضين أن نذهب إلى الجنة ؟؟

ـــــــــ : الجنة ؟ وأين الجنة يا أمي ؟

ـــــــــ : الجنة في السماء … عند الله

ـــــــــ : ولماذا يدفنوننا تحت الأرض ؟

ــــــــــ : لا بد أن يدفنوننا أولا .. ثم نطير بعد ذلك نحو السماء ..

ــــــــ : لكن طائراتهم تجول في السماء .. كيف يسمحون لنا بالذهاب إلى الجنة ؟

ـــــــ : سوف يرفعنا الله .. دون أن يشعروا بنا ..

ــــــــ: وهل الجنة أجمل من غزة يا أمي ؟

ــــــــ : الجنة أجمل من كل البلاد ….

ـــــــــ : لماذا لا يترك اليهود لنا غزة .. ويذهبون هم إلى الجنة ؟

ـــــــــ : الجنة للشهداء والأطفال .. واليهود قتلة ..
المزيد


بقرة المختار .. قصة قصيرة

كانون الثاني 11th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 ”أبو دوما سيهاجم القرية … ويستولي على بقرة المختار”

شاع النبأ أرجاء  القرية …

قررالرجال  أن يتصدوا للغزاة.. .. وأن يحولوا بينهم وبين البقرة

توافدوا على بيت المختار .. يحملون البنادق … ويعاهدونه على القتال …والتضحية بأرواحهم .. كي لا يحقق المعتدي بغيته ..

الشمس تميل للغروب .. والناس يتأهبون لمقارعة ويلات آتية ..

ينتشرالرجال حول بيت المختار .. والليل ينثر ظلاله وقد توارت الشمس خلف الأفق ..

يبدو أن الكهرباء تم فصلها عن القرية .. ربما قطع أبو دوما وجماعته بعض الأسلاك تمهيدا للغزو  .. ..

يهبط الليل ثقيلا بطيئا … والقرية يلفها صمت مطبق ..إلا من أصوات وهمهمات تأتي من بعيد .. حيث بيت المختار ..

دخل أبو دوما وجماعته القرية .. من جهة الغرب .. وتوجهوا نحو الشرق .. حيث بيت المختار  .

تعالى نباح الكلاب .. وثغاء الأغنام .. لكن صوت العيارات النارية  أحال نباح الكلاب إلى نواح متقطع يجترحه الألم ولهاث الموت ..

يبدوا أن الغزاة  قتلوا بعض الكلاب والأغنام ..

خرجت عجوز من منزلها ..  صوتها بخترق الليل بوضوح وحرقة وألم … كانت تشتم أبو دوما .. وتسخر منه ..

سلط أحد الرجال ضوءه على العجوز .. وسلط جندي آخر بندقيته .. خرجت رصاصة واحدة .. وسقطت العجوز ..

قبل أن يقتربوا من منزل المختار كانوا  قد قتلوا , إضافة للعجوز, كلابا وأغناما وثلاث بقرات ..

أصبحوا قريبين من بيت المختار ..

أمرهم أبو دوما أن يعتلوا أحد المنازل .. وأن يصوبوا أضواءهم نحو بيت المختار .. ويصبوا نار أسلحتهم على المسلحين …

المزيد


وعد لم يتحقق .. قصة قصيرة

أغسطس 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 

وعد لم يتحقق .. قصة قصيرة

 

 

 

قبل أن ترسو السفينة .. وقبل أن نطأ تلك الجزيرة .. أوضح لنا القبطان طبيعة المهمة  : بناء قصر في غضون شهر ..

 

نحن بضع عشرات من الرجال .. ألقت بنا الصدف .. واستقر بنا الحال على متن هذه السفينة … ليس لدينا فرصا قوية للمساومة … لذلك آثرنا هذا الاستسلام الهاديء .. والإذعان البارد ..

 

لم نسأل القبطان عن الأجرة …  لكنه بادرنا بقوله : ستكون الأجرة مجزية ..

وسوف تفوق كل تصور ..!

 

لفت انتباهي هذا النظام الدقيق الذي يسود الجزيرة … بيوت بيضاء تغفو بأحضان حدائق متشابهة التنسيق ….

 

يتضمخ الهواء بشذى العبير … وأنفاس الورود …وصدى ألحان ترتلها العصافير على أوتار أغصان راحلة ….

 

شرعنا  في تنفيذ المهمة … بناء القصر …. قصر السلطان …

 

من ينفذ التعليمات بدقة … ويحظى بثقة السلطان .. سيكون له كل شيء ..

 

كان لا بد أن نوافق على هذا العرض  … خصوصا وأن القبطان أوضح لنا

 

أن من يعارض يستطيع أن يترك الجزيرة … ويمضي حيث أعماق البحر ..

كنا نقضي النهار في أعمال البناء … أعمالنا مراقبة بدقة … وكذلك أقوالنا … تمثال السلطان .. كان الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نتأمله على مدار اليوم … ابتسامة وادعة حانية … ونظرة ساهمة تعانق أطراف الأفق ..

 

فوجئنا بالقبطان ذات صباح يوزع علينا أقنعة .. أقنعة لتنقية الهواء ..  كم كانت دهشتي حين اكتشفت أن هذه الأقنعة تلوث الهواء … أجل : فقد شعرنا برائحة نتنة بعد أن ارتدينا تلك الأقنعة … وحين ابدينا امتعاضنا .. قال القبطان … : يريد السلطان أن يختبركم … فمن امتثل للأمر له العقبى …

 

هواء الجزيرة يتضمخ بالشذى وأنفاس الورد وروح العبير … ما يوقظ الغواية في النفس … ويبعث الوهن ..

 

من أراد منكم ألا يرتدي القناع له ذلك … والعقبى للمتقين …

 

التزمنا جميعا بارتداء الأقنعة .. والتخلى عن الهواء النقي لشهر أو أقل .. حتى نفوز بعد ذلك بوعد السلطان ..

 

في اليوم التالي .. طلب منا القبطان ألا نشرب من ماء الينابيع والجداول العذبة  … لما لها من أثر في انحراف الروح … وطلب منا أن نقبل على مصدر آخر للمياه .. كان ماء أجاجا آسن ..

 

لم نعارض القبطان .. طالما أن ذلك يرضي السلطان …

 

المزيد


القناع …..قصة قصيرة

أغسطس 4th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 

حاولت أن أخفي اختلاجات الفرح على وجهي , حين أخبرتني المرأة بأن زوجها ترك المنزل . ولن يعود ..
كنت حريصا على أن أخفي شعوري .
شعور لم أسع إليه … ولم أتكلفه ..

لكنه تنامى في الشغاف وتمادى . فلم يعد منه مهربا ..

أحببتها ….. بكل بساطة … … رغم حواجز الفضيلة …. والخلق النبيل … ورجفة الأنسام التي تخشى الريح أن تعيث فسادا في براءة الورود ….

شعوري نحوها أكبر من صدى التراتيل وهمس البخور في منارات المعابد …. وأبسط من مكابرة نحاول أن نخفيها وراء قناع متهتك …

حين تداعب الأنسام شعرها يتضمخ الكون عطرا …. وحين تختلج شفتاها تعزف الأغصان لحن قمري خجول …. وحين أنظر في مرآة عينيها … أتناثر روحا ذابت في نداء الغسق … …

المشاعر لا تعترف بلغة المنطق …. تبرر لنفسها كل أطياف الإثم … وتنحي باللائمة على الظروف لأنها لم تراعي نداء القلب …

.. كان المفروض أن تكون لي … لي أنا … لا لأحد غيري … لا تسلني لماذا ؟ هكذا .. دون سبب .. ودون تفسير …

امرأة تفيض رقة وعذوبة وسحرا …. تنام النجوم في واحات حلمها … وتهيم الأنسام حين يغفو الليل على وجنتيها … وتعيد الريح تشكيل الأماني حين تمس جدائل شعرها …

أعلم تماما أنك لن تجد لي مبررا فيما يعتريني من شعور جامح نحو هذه المرأة … بل كثيرا ما ألوم نفسي …لكني لا أجد إلى ثنيها سبيلا …

حين ألتقيه أحرص ألا تفضحني نظراتي ….. يعتريني هاجس أن صورة زوجته تتراقص في عيوني …. يا إلهي …. ! كم هي آثمة هذه النفس البشرية …

علاقتي بها حتى الآن لا تعدو طقوس النظرة والابتسامة … لديها طريقة مغرية في إلقاء نظرة بريئة لا تلبث أن تغرق في ابتسامة تتراقص على حدود العبث …. ابتسامة تقنعني بأن الحياة على ضفاف غواياتها .. أنقى كثيرا من حياة بائسة لا طائل منها ….

لا أكتمك سرا أني تمنيت في وقت ما …. أن يتلاشى الكون … ولا يبقى فيه غيرنا …. أنا … و …. هي ….

…. أن نكون وحيدين … … نغتسل بضياء الشمس شدوا على الأغصان الولهى … ونشعل القمر قنديلا إن حل الدجى …. ونفترش النجوم حلما كلما هزنا الهوى ..

ما زلت أذكر تفاصيل علاقتي بالمرأة وزوجها , حين كانا يبحثان عن منزل يقيمان فيه . كان ذلك منذ أربع سنوات
ترددت في البداية .. فأنا

المزيد


عقلي أولا .. قصة قصيرة

تموز 31st, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 

كانا متماثلين تماما …. وكانا خارج حدود اللعبة …. تحت جنح الظلام التقيا … وكانت مشيئة الله أن وزع عليهما العقل …فارتضيا ما وهبهما الله … وخيل لكل منهما أن الله أنصفه أكثر من الآخر …اتفقا أن يكون لهما اسمين : صفاء … ودهاء

ناما في سكينة وهدوء وطمأنينة … حتى قذفتهما الشمس بشعاع دافيء ساطع … أيقظهما من سبات هانيء …

تحت ضياء الشمس .. في وضح النهار …. وزع الله عليهما الرزق .. فأعطى صفاء صندوق جوهر …ودهاء قطيع أغنام ..

شكر صفاء ربه لأنه أنصفه بالعقل … وظلمه بالرزق …ظنا منه أن الجوهر لا قيمة له … بينما الأغنام أعظم شأنا …

وشكر دهاء ربه ذلك أن الله أنصفه بالعقل .. وظلمه بالرزق ..

عمل صفاء راعي غنم عند أخيه …. كان يتباهى بما أتاه الله من عقل ثاقب …

 وكان دهاء يقرّه على ذلك … ويداري أمره بابتسامة لا تخلو من المكر …

: ما رأيك يا أخي ….

قال صفاء لأخيه .. ما رأيك أن نتبادل الرزق والعقل ؟

أطرق دهاء

المزيد


الممرضة والطبيب …

تموز 26th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

كانت الممرضة تضرع إليه أن يهديء روعه وألا يكرب نفسه مقارعة الندم ، بينما لاحت له المرأة من خلال الزجاج وقد طواها عصف الريح ، وزمجرة الأنواء وتعاطيف الجو المكفهر

نترت رأسها ونظرت إليه مليا … كان شعاع الدفء المنسكب من عينيه يمنحها طمأنينة راسخة .. استبدت بها رغبة جامحة كي تستأثر به ، وخيل لها أن ما حاق به من وهن وكدر قد رتق بينهما .

تأملته دونما حرج ، وبدا لها أن نظراته المتوثبة قد انحسرت وانكفأت في إطار أمانيها .. بينما خبت تلك الابتسامة العابثة ، فتكلف ابتسامة باهتة لاحت من خلالها أسنان نضرة لامعة ، وشعرت بشذى الكبرياء يقتحم وجهها .

تلمست شفتيه الدقيقتين ، وجاست بيدها الرقيقة خلال شعره المنسدل على جبهته العريضة .

وثب إلى رأسها خيط من الذكريات ، فحين تم تعينه طبيبا في المستشفى .. استشرفت في عيون الممرضات وأصواتهن الساجعة ، توددا اليه . بينما تكتمت هي على شعورها ، فطوت سرائرها ، ووطنت العزم على أن يكون لها وحدها ، أو ليذهب إلى الجحيم .

الدكتورسمير ، ينحدر من أسرة عريقة . ابنا لطبيب مشهور له حظوة عند ذوي النفوذ ، مما أتاح له فرصة التعيين حال تخرجه من الجامعة .

ارتضت لنفسها أن ترمقه بنظرات خاطفة ، بيد أنها أمسكت زمام عواطفها ، ووطنت النفس على أن تستأثربه دون مغالاة قد تربكها ، أو تعريض يهتك مرماها .

وقد آنست في نظراته المتوثبة ، وصوته العميق ، توددا لا يردع ، وعاطفة سابغة لا تنثني .. فاستنامت إليه بابتسامة حانية شهاء ، وجرت تجاذبه نثار القول ودفء الأحاديث .

كانت الأرض تضطرب تحت صفعات المطر ، والأشجار تنوء بسياط الريح العاتية ، والممرضة ترتفق مقعدا في حجرة الدكتور سمير .

يدغدغها شعور غامر بالدفء ، وقد أرهفت سمعها حين قال الدكتور : هل تعلمين يا هدى ؟

مدت إليه بصرا نافذا ، فبدت له عيناها رائقتان كصفاء شهد شفاف ، وندت عنها ابتسامة رقيقة وشتها بنبرات صوت رخيم : ماذا يا سمير ؟

-: هذا الجو الصاخب يثير شجوني ، ويسبغ النفس بأطياف الدفء وأحلام الوصال .

-: رغم العواصف والأنواء ، فإن المرضى يتقاطرون إلى المستشفى .

-: كم حالة وردت حتى الآن ؟

-: ست حالات .

-: لا يكاد المرء يفرغ من حالة حتى ترد أخرى .

تململت الممرضة ، وأشارت إلى امرأة كانت تحتضن طفلا ، وتلج قسم الأطفال . قالت : حالة جديدة .

قال الطبيب وهو يداري ابتسامة عابثة ، سأترك لك شأن العلاج .

-: دعني أقرأ الحرارة ، فقد لا يقتضي الأمر إشرافك على الحالة .

مضت الممرضة تجر خطى ناعسة بطيئة . قالت المرأة وهي تقلب الطفل بين يديها : أين الطبيب ؟

حدجتها الممرضة بنظرة ثاقبة وقالت : ماذا به ؟

-: كما يبدو لك .

كان الطفل يضطرب تحت أزمات السعال ، وقد اعتراه ذبول خائر ، وتماوجت ظلال كالحة أسفل العينين .

أشارت الممرضة على المرأة بنزع ملابسه ، وحين فعلت .غرزت ميزان الحرارة في جسده ، وقد أشاحت بوجهها ، فأجفل الطفل وندت عنه صرخة واهنة .

نزعت الميزان ومضت إلى حجرة الطبيب .. قالت وهي تقلب الميزان : يبدو أن الحرارة مرتفعة ، فقد تجاوزت الأربعين .

اندفع الطبيب حيث يرقد الطفل .. جاس بسماعته صدر الطفل وبطنه ، وتفرس حلقه . فبادرته المرأة متسائلة : ماذا به يا دكتور ؟

-: اطمئني .. مجرد التهاب في الحلق ، سوف أحرر له وصفة طبية .

__: أرجوك يا دكتور ،إنه يعاني منذ أسبوع ، وأخشى عليه سوء العاقبة .

__: الحالة لا تدعو للقلق ، سوف يتماثل للشفاء حين يتناول الدواء .

مضت الأم تحتضن طفلها ، بينما دلف الطبيب إلى حجرته ، تتبعه الممرضة بخطوات ثابتة.

اطمأن الطبيب إلى مقعده ، وتمطت الممرضة على مقعد قبالته .

قال وهو يبتسم : الطب ، مهنة سيئة .

__: لكنك آثرت دراسة الطب .

__: بل كانت رغبة والدي .. حاولت أكثر من مرة أن أترك الكلية .

__: وأخيرا تحققت رغبة والدك .

قال ضاحكا : أجل.. بعد عشر سنوات .

__: لا ضير في ذلك .. فأنت اليوم طبيب .. بوسعك أن تحقق ذاتك ، وترقى أرفع المناصب .

__: ذلك منطق والدي

المزيد


الفأر..قصة قصيرة

تموز 8th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

  كان يحس باضطراب شديد وأصابعه الملتوية تعبث بالأوراق النقدية . ستون عاما وهو  يكدسها في وسادة بالية لا تلفت الانتباه .  لم يشأ أن يضعها في مصرف قد يجر عليه إثما أو قلقا,

فآثر أن تكون تحت رأسه كلما آوى إلى النوم .

 

عيناه الضيقتان تجوسان خلال الشعاع المنسل من السراج … خيوط داكنة تتشعب عبر الأضواء المرتعشة

 

 تضطرب وتمتزج فتترك ظلالا متموجة ترف على مائدة قديمة … وأثاث متناثر … وأدوات مبعثرة .

يكاد أن يفتك به الملل والإعياء ..

 

 لولا بريق النقود الذي ينسكب في عينيه فيبعث الدفء في أوصاله ويزيح عنه شعورا غامضا بالخوف

 

ذات ليلة ، بينما كان يندس في فراشه سمع هاتفا يندفع من الجدار فما يشبه الوعيد : (.. ستموت جوعا ..)

ظل الهاتف يرن في أذنه كلما داعب جفنه النعاس … وذات ليل شعر بأنياب صغيرة تنهش أصابع قدمه اليمنى ..

 

 فهب مذعورا ونفض فراشه وتناهى إليه صرير فأر يندس في أحد الجحور .

عاد الهاتف يتوعده بنبرة جديدة : ستأكلك الفئران ..

ابتاع مصيدة، وضعها في الجحر المحفور تحت المائدة

’ منذ عشرات السنين والفأر يلازمني , لكن لسبب غير واضح , بت أضيق به ذرعا . أشعر كأنه يسلبني شيئا .بل هو فعلا يسلبني .

لص رديء , يمارس عمله على مرمى صرير مني .

ليتني أستطيع أن أعاقبه , كأن أقطع يده , أو حتى رأسه . إنه مثال سيء للعلاقة بين الأشياء .

يبيح لنفسه أن ينتهك حرمة تعبي وشقائي , فينهش كدّي , ويمضي في هدوء وسكينة وراحة بال .

 

ليس الفأر هو الكائن الوحيد الذي يمارس الشماتة بحقي .

 

ابتسامة صاحب الدكان حين يسحب النقود من يدي . كم تشي بلذة تستشري في ملامحه كأنه يجردني بعض سكينتي وطمأنينتي , لقاء قليل من الطعام . لا تسد رمقي , ولا تسكت جوعي .

أقاربي ومعارفي . وتلك النغمة التي يرددونها من حين لآخر : تزوج .

لماذا لا يكلّون من ترديد النغمة إياها !

ستنقطع وشائجك بالحياة إن لم تتزوج . لا بد أن تترك زوجة واولادا وذكرى ..

 

وماذا لو لم نترك ذكرى !

 

ستصبح الأرض خرابا . ولن تتكرر الدورة .

 

الدورة !

دورة مضحكة لا تبرر جزءا يسيرا من قناعاتي . بل ربما تكون ضد قناعاتي .

لن أتزوج . ولن أترك ذكرى طيبة . سأمنح فسحة لغيري, كي يزيد شقاء الآخرين .ويمنح البؤس والعذاب والحروب والزلازل والخوف وقودا .

 

أما أنا فسأخلع جلابيب الحياة وأمضي . ولن أمنح الحياة فرصة لتكرار خيباتي .

 

كاد العمر أن يصفق الأبواب دوني . وأنا ما زلت فريسة الخوف والقلق .

الخوف من الفقر والفاقة والحاجة .

 ربما كان قلقا غير مبرر . لكنه ينزعني صفو الحياة . وهدوء النفس . .

..ماذا فعلت لي الثروة ؟؟؟

 

لعلها تشعرني بالدفء حين يتمادى الهاتف في فرض شعور زائف بالخوف ..

 

 لن تأكلني الفئران ..

 

أما النقود .. فإنها الملاذ الأخير … الذي يقيني سطوة الموت " ..

 

ذات ليلة رأى في نومه حلما أقض مضجعه ، فهب مذعورا ..

رأى نفسه جثة هامدة تنهشها الفئران

 

 قرر أن يذهب إلى حفار القبور …  لكنه تراجع عن قراره … ..

 

 وابتسامة ساخرة تداعب شفتيه :

 

أيها الأحمق : دعك من الموت وما يكون بعده ..

 

سوف يدفنونك دون أن تخسر قرشا واحدا .. لن يسمحوا لرائحتك الكريهة بالنفاذ

المزيد


موت غير ناضج ….قصة قصيرة

تموز 2nd, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

أدرك تماما أني : أنا الميت : مراد سالم ..

 

 

لست آسفا على هذه النهاية .. فالخيوط التي تشدني للحياة واهية واهنة .. لولا هذا الحنين الغامض .. الذي أشعر به نحو زوجتي : أمل …

لحظات قليلة .. ثم ينتهي كل شيء ..

سأدخل القبر … ويطويني التراب .. وهؤلاء الذين تحلقوا بالجنازة ..

 سينفضون غبار حزنهم .. ودمعة ترقرقت في محاجرهم … ويعودون إلى معاقل الحياة … يمارسون اللعبة من جديد ..

وجوه يكللها الوجوم .. وملامح يداهمها الأسى ..

 

تبدو لي الأمور أكثر وضوحا …

 

الحياة والموت .. وبينهما زوجتي .. وباقات شوق وحنين ..

 

لعبة لا يفهمها إلا من خاض تجربة الموت ..

 

أنا الوحيد الذي تبدو له الأشياء بكل وضوح ,….

 

الوجوه الحزينة .. ؟! تبكي نهايتها لا موتي ..

 

شعور بالخوف يعتريهم … يفرغونه من خلال تيار حارق … يخلعون عليه حلة الأسى .. وهاجس بائس .. يوحي لهم أن القبر ملاذهم الأخير ..

وهذا التراب .. سيواري رؤوسهم …

 

عيون تغرق في خضاب الدموع …  مشاعر متضاربة تجتاح النفس البشرية …

 

الفراق : نهاية غزلت خيوطها الخيبة .. سيبقى جزء من الذاكرة معلق على خيوط الوهم .. حتى تتعب الذاكرة .. ويتخاذل الأمل ..

 

لكن زوجتي : حكاية أخرى .. توقظ أوجاعي ..

 

لست أنا موضوع حزنهم .. سيضمني التراب والظلام  والهدوء .. وأمضي …

أما هم … فالموت قضيتهم القادمة .. نفوسهم موزعة بين أمس تلاشى … وغد مفقود …

بكل صمت وهدوء .. ينزلون جثتي إلى قاع القبر … وتتأهب الأيدي كي تحثو التراب ..

 

تبدو اللعبة ضربا من الهزل …يهيلون التراب على قبري ليكسبوا أجرا .. ويدفنوني إكراما لي ..

 

لن تخرج رائحتي الكريهة ..  ويبقى في النفوس عبق الذكرى ..

 

لعبة ذكية .. جسد يفنى .. وذكرى تدوم .

 

خدر لذيذ والتراب يطويني .. أدخل عتبة اللاشعور .. لكني ما زلت أشعر بهم … كأنهم أشباح يمارسون حلما غير ناضج ..

 

توارت الجثة تماما … لكني ما زلت هنا ! فوق التراب ..

 

أكاد اصرخ غبطة وفرحا .. لكنهم لا يشعرون بي ..

 

تركتهم يتبادلون مراسم العزاء .. وعدت بخفة ونشاط إلى المنزل ..

 

وقفت أمامها : كانت تغرق في وجوم قاتل .. كأنها : هي الميت .. وكأنها فقدت إحساسها بالحياة ..

 

حاولت أن أضمها .. لكنها لا تشعر بي .. جدار من العبث  يحول بيننا ..

 

صرخت على امتداد فمي .. فتساقط صوتي أشلاء صمت دون صدى .. ومضيت أتسلى بخيوط وهن آسن ..

 

أمل : جرح اخير ما زال يشدني للحياة ..

 

حين أوغل الليل في الأسى كانت وحيدة في السرير …

 

وأنا خيبة لا تحسن الوصول ..

جمر العذاب يشتعل في شفتيها .. ومشاعل الذكرى توقد أنفاسها سعيرا ..

 

وأنا بجوارها لوعة أطبقت عليها نواجذ الألم …

 

أمل : حاولت أن أعيد رسمها .. رسما على حدود شفاهي .. أو صرخة في مكامن الذكرى … لكني اكتشفت أن شروط اللعبة توثق الهزيمة حول عنقي ..

 

كم هي قريبة مني : لكني لا أحسن ضمها ..

 

أراها .. أحسها أتنسمها … أذوب شوقا .. لكنها لا تحس بي ..

 

تغرق أنفاسها في أنين يصطلي بنار الذكرى ويأس الأماني …

 

تنزلق حروف اسمي بين شفتيها سياط وجع وجمر حنين ..

 

مراد .. تخرج الحروف واهنة ضعيفة يائسة …

 

تحاول أن تلوذ بالنوم علها تنسى .. لكن الحزن يسد منافذ الهروب ..

 

تتوسد آهاتها حرقة الأسى .. لكنها لا تسمعني ….

الموت أقل مرارة من الحياة .. بل لعله يخلو تماما من المرارة .. تجربة مثيرة .. تخلو من القيود ..

 

لولا هذا الحاجز الذي نشأ بيننا يا أمل .. لكان الموت رائعا …

أسوأ ما في الموت : عدم شعورك بي … وعدم وصولي إليك ..كم أتمنى لو أتيح لي أن أعود للحياة .. ليس لأنها تستحق الأسف .. لكن : لأنك فيها ..

 

حنين غامض يجتاحني .. فيلقي بي على غصن الذكريات ..

 

تطوقني ابتسامتك النقية عقدا من نجوم ولمسة من نسم عليل  ..

أحتضن شعرك الجامح كجنون الرياح وأغرس فيه همسا كبوح النخيل ..

 

عيناك غابات سرو تغزلني حلما على أعتاب الوسن .. وهمسك ينساب دفئا في عروقي الخاوية ..

 

هل أعود للحياة ؟!

 

تجربة تتجاوز حدود عقلي ..

 

لا أدري !

 

ما زالت تتقلب على السرير

 

يشتعل رأسها بنار الذكرى ..

 

لو كان بيدي .. لغسلت رأسك من جميع التفاصيل .. أو عدت إلى الحياة أراقصك على نبض النجوم ..

 

المزيد


أكانت قديســـة ؟ …….. قصة قصيرة

تموز 29th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..


في منتصف الليل ، كنت أنسل إلى قبرها ، ليس لي أن أكف عن هذه العادة ، أو أن أجد للإقلاع عنها سبيلا .
كان يخيل لي أن الموت منعطف ، يقطع الأسباب بيننا وبين من نهوى .
لكن ما ألّم بي كان له شأن آخر ، فمنذ أن رحلت ، وأنا أشتعل وجدا ، وألتاع شوقا .
كثيرا ما كنت أستمرئ الموت ، ليس ليأس يعتريني ، لكني أجد في ذلك لذة غامضة ومتعة ليس لها حدود . خصوصا إن دفنت جوارها .
كم سأكون هانئا في موت كهذا ! فماذا أجمل من أن يضطجع الإنسان بأحضان من يهوى مضجعا أبديا .
ما زلت على قبرها ، وحيدا إلا من أشعة القمر الحزينة ، وخفقات النجوم الحائرة ، والأنسام العابثة
تداعب الحشائش الخضراء .
كانت الأعشاب تغمر القبر تماما ، كأنها منعمة بمنيتها الخصب .
أكاد أراها تنفض التراب ، وتنسل من خلال الأعشاب ، وترمقني نظرة ، تفيض عتبا ولوما .
وتبسم ابتسامة نقية عذراء ، تماما كما كانت تنظر إلي من النافذة ، أيام كان الحب ينبض دفئا ، وبهجة ، وأملا .
أذكر كيف تعرفت إليها ، وكيف كنت السبب في قضائها .
كان ذلك يوم حللت في بيت جديد ، وحين نظرت من النافذة ، لاحت لي فتاة في المنزل الذي يقع على الجانب الآخر من الشارع .
بدا لي الأمر عرضا ، فأعرضت عنها . بيد أنها كانت تفاجئني كلما شرعت النافذة .
ذات مرة تعمدت أن أديم إليها النظر .
كان وجهها الضئيل يطل من خلال شعر أسود منسحب طويل . ولاح لي طيف ابتسام يكسو وجهها .
أمعنت النظر إليها ، لكنها لم تبرح النافذة ، حركت يدي متسائلا ، فهام وجهها بضياء ابتسامة ،
ثم أمالت رأسها كأنها تقول : لا شئ .
كنت أجد متعة في الوقوف على النافذة ، خصوصا حين كنا نتبادل القبلات عبر الأثير ، ثم نضحك سويا ، وحين يأزف الفراق ، أطير لها قبلة من على كفي ، وانصرف إلى فراشي هادئا مطمئنا .
`
ذات مرة اتفقنا على موعد
في منتصف الليل ، انسللت من بيتي ، كان الشارع ساكنا إلا من بصيص الأضواء تعانق رذاذ المطر . والمنازل يلفها ظلام دامس إلا شعاع ضئيل يتسلل من منزلها .
أ

المزيد


للموت طقوس أخرى …….. قصة قصيرة

حزيران 5th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 

 

كانت العجوز تخرج من خيمتها ، إلى القرية الصغيرة ، فتسير عبر الطريق

 

الضيق ، تضرب الأرض بعكازها ، وتجلس من حين لآخر عند رقعة

 

 مكسوة بالحشائش ، ثم تغمض عينيها ، وتعرض وجهها المتغضن لشمس

 

الصباح الدافئة ، فتجري الدماء في عروقها .. وتهدأ تجاعيد وجهها

 

 المضطرب .

 

وحين تسترد بعض بأسها ، تتململ ، وتتكيء على عكازها القديم ، ثم

 

تمضي إلى القرية بخفة .

 

كانت تنهب الطريق الطويلة المتعرجة ، فنغيب الخيمة في سفح الجبل ، وتطل المنازل الريفية المتناثرة .

 

وتنتشر على جانبي الطريق أشجار اللوز والتين والزيتون .

 

ثم تنظر إلى الحقول الواسعة ،وتتأمل العصافير الصغيرة ، تثب من غصن لآخر .

 

وتنفض أجنحتها من غبار الليل .. ثم تتلاقى أغاريدها في نغمة موسيقية متوائمة .

 

تهمس العجوز لنفسها : ما ألطف هذا اليوم ؟ والحق أنه كان يوما جميلا من تلك الأيام التي تعرفها الجبال الغربية ، التي تتكيء على أطراف السهل الساحلي .

 

خصوصا بعد أن يتراجع الشتاء ، ويحل الربيع ببساطه الأخضر ، وشمسه الدافئة ، وسمائه الزرقاء الصافية ، وأنسامه الرخية الناعمة .

 

أخذت العجوز تشق طريقها ، عبر المنازل القابعة في فم القرية .

كان الفتية ينفضون عن وجوههم بقايا النوم ، يحملون عصيّا طويلة ، وحقائب متاع حيكت من القماش .

 

ثم يقودون أغنامهم عبر الحقول والبساتين  ، والعجوز لا تفتأ تبتسم .

هي على أي حال تبتسم منذ الليلة الماضية . حين عاد ولدها حسان .

زغردت دون أن تشعر ، رغم الخطر الذي يترتب على ذلك .

 

هاهي الآن تتجه إلى القرية  ، ويداها الملتويتان تنعمان بحرارة النقود .

لا تذكر أنها دخلت القرية منذ عام مضى . لكنها تمضي إليها الآن هادئة منعمة .. تستعيد ذكرياتها الغابرة .. وأيامها التي كانت تقضيها كسائر أهل القرية .. في منزل ريفي بسيط

 تقف برهة . تقيّم ظهرها المحدودب . وتدير ناظريها فيما حولها .

 

ثم تعرج إلى طريق جانبي ، يؤدي إلى أنقاض بيت مهدم . تكسو بقايا جدرانه ، طبقة سوداء داكنة , تتناثر فيه الحجارة , والأخشاب الفاحمة , والأثاث المحروق .

 

تهمس لنفسها … وتسرح عبر الذكريات … هنا عاش زوجي , وولدي ….

وهنا فقدت زوجي .

ما زال ولدي على قيد الحياة  .. حمدا لله .

 

عام مضى .. وأنا أنتظره , لم اشاهده مذ هدموا البيت , وصرعوا والده …

منذ  فر ّ إلى شعاب الجبل …فأمضني حزن , ولفني يأس …

 

ليلة أمس .. وجدته في خيمتي …..

 

تدفقت الروح في أوصالي … صرخت بلهفة مكتومة .. حساااااان …. ولدي …تنفسته … فسرى الدفء في عروقي ….

 

كان البقال يجلس على كرسي صغير , ينعم بأشعة الشمس الدافئة …حين أقبلت العجوز تجر جسما ذاويا نحيلا ..

 

استقبلها بترحيب حار … وبعد أن استفسر عن حالها , وتبادلا الحديث , وبعثا الذكريات الغابرة .. وكيف جا الزمان …

 

وزن البقال للعجوز بعض الخضار والفاكهة … حشتها في حقيبتها .. ثم مضت في سبيلها ..

 

وبينما كانت تناجي سرها …إذ تناهى إلى إذنها صوت يدعوها …

 

أدارت ناظريها .. فلمحته …. ( إسماعيل الأعرج )

كان يستلقي تحت زيتونة هرمة ..

سرت في أوصالها رعشة محمومة …… دلفت نحوه ..

 

بادرها قائلا : أهلا أهلا أم حسان .. عاش من شافك .

قالت وهي تسوي الأرض تحتها : ما تشوف ردية يا اسماعيل .

كيف حالك  ؟

ــــــ : والله يا أم حسان الحال ما برضي حدا .

 ــــــــ :الله الله يا اسماعيل .. شو ناقصك ؟

شو 

المزيد


الضحيــــــة …….. قصة قصيرة

أيار 14th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 
 
 
 
 
 
 
 
كانت يده ترتجف وهو يتحسس الحزام الذي يلتف حول جسده النحيل . لا يحتاج إلا
أن يضغط قليلا حتى تنفجر الحافلة ، وتتناثر الأشلاء في كل اتجاه .
سوف يكون أول الضحايا ، بيد أن لذة غامضة تسري في أوصاله فيشعر بارتياح عميق .. سينتقم من هؤلاء جميعا ، تلك خطيبته" ليئا " التي تجلس في المقعد المجاور ، وتلقي برأسها على كتف صديقه مردخاي ، فينسكب شعرها الأشقر على وجهه حتى لا يبدو منه سوى طيف ابتسامة تغازل عينيها " خطيبتي ليئا "؟! قال يهمس لنفسه . لكن من أنا ؟ استطرد متسائلا . اذكر تماما أني كنت " شلومو باراك " قبل أن يتم غرس دماغي في رأس " أحمد علي " . كنت من صميم الشعب المختار ، ثم أصبحت من الغوييم . كيف حدث ذلك ؟ لعل آخر ما أذكره حينما كنت "شلومو باراك " كان صوت ارتطام المركبة التي تقلني ، شعرت بحذر يتسلل في عروقي ، وما لبثت أن فقدت إحساسي بالأشياء .
لم أستيقظ إلا في المستشفى .. أناس يتحلقون حولي لا أعرف أيا منهم . عجوز ذاوية كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة لا تلبث أن تغيب في عينيها . خطفت يدي وهي تتمتم : أحمد بني الحبيب كيف أنت الآن ؟
أحمد ؟ من ؟ أنا ؟!
نظرت إلى يدي .. داهمني فزع واضطراب ، فليست هذه يدي . تحسست جسدي ، هراء … ماذا حدث ؟ أود أن أصرخ .. لكني لا أستطيع . غمرت وجهي بكفي . وأنا أدركت تماما أنه ليس وجهي .
دخل الطبيب و طيف ابتسامة على شفتيه .. طلب من الحضور أن يغادروا الغرفة . غمرني بابتسامة حانية ثم قال :كيف أنت الآن ؟
لم أتفوه بكلمة واحدة . نظرت إليه كالأبله . تساءلت : دكتور . من أنا ؟
قال وهو يربت على كتفي : أنت إنسان جديد وحياة جديدة .
قلت وأنا أتمعن بشرتي وجلدي وأعضائي : جديد ؟ كيف ؟
 
قال الطبيب  أنت جسد أحمد علي .. ودماغ شلومو
إثر الحادث قمنا بنقل دماغ شلومو لجسد أحمد علي …
أطرقت وقد غامت الدنيا في وجهي : نقلوا دماغي إلى جسد آخر ؟ لكن ماذا بشأني ، من أنا ومن أكون ، لعبة قذرة ،
. لم يتركوني لشأني . بل أرادوا لي موتا بطيئا ، وعذابا قاهرا ليس له آخر .
بعد شهور تم نقلي إلى المخيم . بيوت بائسة لا يوازيها في الحزن إلا وجوه الناس ووجهي ، أزقة تكتظ بالتراب والأوساخ وصراخ الأطفال .. أصبحت واحدا منهم ، فهذا المخيم مدينتي ، وهؤلاء الناس أهلي ،
تذكرت آدم يوم هبط من الجنة إلى الأرض . أما أنا فقد هويت من الجنة إلى الجحيم .
كل ما حولي يثير الاشمئزاز .. وجه العجوز التي تدعي أنها أمي ، وضحكة أبي التي تفصح عن أسنان صفراء نخرة . ووجوه إخواني الصغار التي تلطخت بالغبار والأوساخ .
أما تلك الفتاة التي كانت تغطي وجهها بسحابة من الحياء المتكلف . وتختلس إلي نظرة تضمنها ابتسامة بلهاء ، فقد كانت تسبب لي الغثيان . قالوا لي : هذه فاطمة خطيبتك تذكرت ليئا . أين شعرك الأشقر الذي كانت تداعبه أشعة الشمس ويستحم بعطره نسيم الصباح .
أين عيناك التي تفيض سحرا وتتكئ بأحضانها أطياف الملائكة .. سأعود إليك الآن .. إلى تل أبيب حيث بيتي يعانق أمواج البحر وتعبق فيه رائحة الحياة . سأعود إلى أرض الميعاد فهذا المنفى يسبب لي الاختناق .
خرجت من الغرفة التي تشبه القبر ، تشبثت بأول مركبة . تنفست الصعداء حين غادرت المخيم ، وفي الطريق إلى تل أبيب كان يعود لي نبض الحياة .
تل أبيب عاشقة البحر وشاطئ البر تقال ، مدينة الحب والحياة راسية كالجبال شامخة كالسماء .. أيها الحلم الذي لا ينتهي . عدت إليك كيتيم عادت إلى أمه الحياة .
هرولت في الشارع الذي يمتد بموازاة البحر ، في أقصى الجنوب يجثم بيتي ، منزل تلفه الورود والأشجار الوارفة الظليلة .
 
دفعت الباب ودخلت ، كانت أمي ترتفق مقعدا في الحديقة ، ترقب حركة المياه التي تندفع من النوافير ، فتنسكب على الحشائش الخضراء والورود الماجنة ، هتفت وأنا أمضي إليها : أمي !   .. أزاحت خصلة شعر كانت تتعثر أمام عينيها ، حدقّت في وجهي : من ؟
قلت وكأني أذود طيف الهزيمة عن وجهي : أنا شلومو ..، تراجعت بضع خطوات وقد توجست بأمري ، ثم صاحت وهي تنعطف نحو البيت : باراك .
أطلّ بقامته المديدة ، وشعره الأشيب ، ونظراته المتوثبة . قال وهو يثقبني بنظرات فاحصة : من هذا ؟ .. قلت باضطراب : أنا شلومو .. ابنك ..أعني أن رأسي يحتضن دماغ شلومو ، ربما خانك جلدي ولون بشرتي ، لكني ما زلت ..
قال بعد أن تنفس بعمق : آه ، فهمت ، تفضل إلى البيت .
دخلت وجلست على الأريكة التي كانت تخصني ، بينما ارتفق هو مقعدا جانبيا ، والمرأة استندت إلى النافذة كأن الأمر لا يعنيها . قال باراك وقد انعطف نحوي قليلا ، وهو يشير إلى صورة تتكئ على الجدار : انظر هناك . 
قلت وأنا أحدق بالصورة .. وجه يشع بالحياة ، وابتسامة تطل من عينين تجلت فيهما زرقة السماء :   " إنها صورتي .. شلومو"
ردّ علي بحزم وثقة : هذا شلومو صحيح .. لكن .. أنظر إلى نفسك في المرآة .
قلت وأنا أشير إلى رأسي : ودماغي ؟
قال كأن


المزيد


الكنز المفقود …….. قصة قصيرة

نيسان 25th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

الكنز المفقود

  صعدت إلى السيارة بتردد بالغ  … فالمبلغ الذي في جيبي لا يفي أجرة الطريق …  كانت تسيطر علي فكرة لا أجد سبيلا لإقصائها   ….  كيف أتصرف مع السائق ؟ وكيف أعتذر …. ، ليس لي خبرة في فنون التسول ، أو حذاقة في التعامل مع الآخرين …. قد يخيل لك  أني متسول أو محتال … أو  مشرد منيوذ .. ليس هذا أو ذاك … فأنا طالب جامعي في كلية الإقتصاد ، أقيم في العاصمة حيث الجامعة ، حتى إذا حان آخر الأسبوع ، توجهت إلى أهلي الذين يقيمون في أقصى البلاد …أشعر بتقريع الذات … كيف فشلت هذا الأسبوع ؟  لم أخطط جيدا … أجرة الطريق غير كافية أحيانا ألعن نفسي .. وألعن الفقر والثراء وكل الأشياء …. أشعر أن خللا ما يوجد في هذا العالم …إن في نفسي كثيرا من السخط والانفعال ..وشراذم غل وحقد .. ولعل خير دليل على ذلك هذا الحاجز من الصمت الذي يفصل بيني وبين السائق وسائر الركاب .. رباه ، أشعر بالنفور مما حولي وهاأنا أسرح ناظري في الأفق البعيد حيث بعض الرتوش السوداء تتعرج في أقصى الأفق وإني لأحدق في تلك الرتوش التي تلتئم لتبدو سحابة صيفية ليس لها معنى .. أحس  كثيرا من الأشياء ليس لها معنى .. وجودي هنا ، وأنا الذي لا يملك أجرة الطريق ، هل له معنى ؟ لا أدري لماذا عدت أحدق في تلك الرتوش السوداء .. أحس رغبة جامحة كي أندفع عبر الفضاء حيث تترنح تلك السحابة .. فنمتزج معا ثم نتلاشى .. أصبح وجودي في السيارة عبئا على نفسي .. لا أدري كيف أواجه السائق بحقيقة أمري .. أوه .. كنت دائما أحاول أن أقنع نفسي بأن الإنسان يمكن أن يوائم بين العوز والسعادة .لكن أحقا ذلك ؟هل نستطيع أن نتعامل مع الآخرين وجيوبنا خاوية ؟ بل كيف نتعامل مع الأشياء إذا كانت جيوبنا فارغة ؟ أليست المادة أساس العلاقة بين الأشياء ؟ هذا ما أذكره الآن من علم الاقتصاد ، وهذا ما أحس به . فقد تلاشت العلاقة بيني وبين من حولي وبت أرجو لو تتلاشى إلى الأبد بأية وسيلة وبأي أسلوب .. رباه لقد حدثت معجزة . ها هي السيارة تتوقف على رصيف الشارع .. ثمة عطب في الإطار الخلفي هذا ما قاله السائق ، ما أروع ذلك ! عطب في الإطار الخلفي ؟ أفلا تكون هذه فرصة للخلاص من السائق وزمرته ؟ لماذا لا أحاول ؟ اندفعت خارج السيارة ، ثم سرت على الرصيف بالاتجاه المضاد ، كانت نفسي هادئة مطمئنة وخطواتي واثقة متئدة . لقد شعرت بثقل كبير ينزاح عن كاهلي ، إذا أصبحت أتنسم الهواء بحرية. وبدت الأشياء لي ذات معنى .. الحشائش الصفراء .. والأرض التي امتدت إلى نهاية الأفق والشمس التي تقوقعت في أقصى الغرب .توقفت عند المنعطف في أقصى الشارع ، أدركت أني أصبحت في مأمن عن أبصارهم .. فتنفست الصعداء .. واختلست نظرة خاطفة قبل أن اقفز خلف الرصيف .. وأني كذلكإذ بدا لي بريق يتلألأ بين الحشائش .. فسرت رعشة غامضة في عروقي واندفعت باتجاه البريق .. تفرست الأوراق الذهبية جيدا .." يا إلهي .. إنها نقود "  همست لنفسي .النقود متناثرة وكثيرة ، امتلأت جيوبي .. من يدري أليس من الممكن ؟ بلى ، قد عثرت على كنز ثمين .. تلك حقيبة  تغص بالأوراق النقدية .. رأيتها بأم عيني ، وتحسستها بيدي مرات ومرات ، ثم حملتها وقفزت خلف الرصيف .. ثمة أصوات تهتف من بعيد : أين أنت يا رجل ؟ماذا تريدون مني أيها الأغبياء ؟ همست لنفسي .. لقد قررت أن أتجه إلى الشرق علني أجد ملاذا يقيني شرهم .. الهتاف يعلو مرة أخرى .. ثمة خطوات تنهب الأرض ووقعها يصم أذني .. سوف أسرع ، وإلا ضاع مني الكنز .خناجر الخوف تنغرز في أحشائي .. والأشباح تحاصرني من كل صوب .. يخيل لي أن أحدهم على قيد خطوات مني .. لعلهم  اكشفوني ..  علي أن أغذ الخطى .. لكن إلى أين ؟ الأرض مفتوحة أمامي .. وها هي أطراف الصحراء تمتد كشواطئ بحار منسية .. والرمال تتململ تحت صفعات الريح الباردة .. كم هي ضيقة حينما تنبسط الأرض أمام خائف مذعور .. كانت ستبدو رحبة لو أني لذت بكف دفين .. أما الآن فليس أمامي إلا أن أعدو .. فالأشباح تطبق علي .. وسكاكين الخوف تدمي أقدامي الشمس تجر ذيولها الحمراء ببطء شديد . وأنا أعدو باتجاه الشرق حيث الرمال تمتد إلى اللانهاية .. ما زالت قوة غامضة تدفعني رغم أن الحقيبة تشدني ..
المزيد


إلقاء القبض على هتلر …. قصة قصيرة

نيسان 3rd, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

كانت أنسام الفجر تداعب فوهة البندقية ، والشيخ الجليل يمسّد لحيته البيضاء ، ويستل عكازه وقد فرغ من أداء الصلاة .. كان يشق ساحات الأقصى بخطوات وئيدة ، تتمطى نظراته الكليلة على بساط الطرقات الرمادية ، وجهه الضئيل يشع دفئا عبقا ونورا بهيا ، وشفتاه الواجفتان تلهوجان بالذكر والدعاء .

أنسام الفجر تسري ، وفوهة البندقية تداعب الغضب

-: توقف .. هتف الجندي وقد صوب بندقيته إلى رأس الشيخ

توقف الشيخ . أدار ناظريه حيث الجندي يحكم قبضته على يده النحيلة . ومضت بعين الشيخ علامة استفهام . لم ينبس بكلمة .

قذفه الجندي بنظرة ثاقبة وهتف بنبرة الظافر : أنت ؟

أجاب الشيخ وهو يجذب يده من قبضة الجندي : أنا ..

قال الجندي وهو يحكم قبضته على معصم الرجل : أين هويتك ؟

-: ليس لدي هوية .

-: أعلم ذلك وأعلم من أنت

-: أنا الشيخ علي

قال الجندي وهو يحكم قبضته : كذاب .. بل أنت .. هتلر

ضحك الشيخ وقد هم أن يمضي في حال سبيله ، لكن الجندي جذبه بقوة .

-: أيها الوغد .. أين تمضي ؟ أنت هتلر

-: لكن هتلر مات منذ عقود خلت

-: العدالة هي التي تقرر ذلك

-: إلى أين ؟

-: إلى القضاء ، حيث العدالة تأخذ مجراها

شاع النبأ أوساط المدينة نبأ بخطوط عريضة يتوسط الصفحات الأولى للصحف " إلقاء القبض على هتلر  أثناء تأديته صلاة الفجر في الأقصى "

" أكبر محاكمة يشهدها التاريخ "

" محاكمة مجرم ، ومحاكمة تاريخ "

" المحاكمة سرية ، لكن الأنباء تتسرب "

" المتهم ينكر أن يكون هتلر ، ويدعي أنه أحد ضحايا دير ياسين   كان طفلا صغيرا حين خرت أمه صريعة على أبواب القرية ، أخطأه الموت ، فهام على وجهه دون أهل أو هوية .

محامي الدفاع يسخر من لائحة الاتهام

التهمة الأولى : هتلر

التهمة الثانية : الصلاة في المسجد الأقصى

التهمة الثالثة : إبادة يهود خيبر

التهمة الرابعة : اغتصاب البيت العتيق

جلسات المحكمة تتوالى شهود يؤكدون أنه هتلر ، وشهود يؤكدون أنه من ضحايا دير ياسين وشهود ينفون أدنى معرفة بالمتهم .

يقبع الشيخ في زنزانة مظلمة ، يتسرب إليها الغاز حتى تنقبض أنفاسه ، فلا تلبث أن تشرع كوة ضيقة ، يطل منها وجه محقق ذات ابتسامة ساخرة ، يقول وهو يحك فروة رأسه : هل تذكر رائحة الغاز يا هتلر ؟

-: بل أذكر مصرع أمي في دير ياسين .

-: كلب قذر .. لا بد أن تعترف

" أعترف ؟ قال يهمس لنفسه .. هم يعلمون أني لست هتلر ، فما عساهم يريدون ؟ إعدامي  ؟  ليت الأمر كذلك ، أنهم يمهدون للعبة قذرة

سوف أقر بأني هتلر ، فأنقذ البيت العتيق ، وتنهد أركان المؤامرة .

الليل والظلام والزنزانة ، وقطرات باردة رتيبة ، تنزلق على رأس الشيخ ، فتقصي أطياف النوم عن جفنه ، وتجعل من صحوته خواء وانهيارا .

-: أنا هتلر . قال الشيخ للمحقق الذي أطل من الكوة .

ابتسم المحقق ، ثم حدجه قائلا : كنت أعرف أنك سوف تعترف ؟

-: وماذا بعد ذلك ؟

-:  أن تقرّ بسائر التهم

-: أليس اعترافي بالتهمة الأولى جدير بإعدامي ؟

-: هذا ليس شأنك .. إنه شأن العدالة .

-: وكيف تكون العدالة إن لم تصدر حكما عادلا ؟

صفع النافذة في وجه الشيخ قائلا : لا بد أن تعترف . رائحة الغاز تكتم أنفاسه ، والقطرات الباردة تتسلل حتى أعماق دماغه يحاول أن يستسلم إلى إعياء لذيذ ، يخيل إليه أنه ميت يعاني عذاب القبر يحس لزوجة تتسرب إلى أوصاله من خلال قدميه .. حشرات وهوام وديدان تزحف على جسمه يحاول أن يصرخ ، يستعين بالذكر والدعاء رحماك يا أماه ، ليتني مت ذلك اليوم ! ما عساهم يريدون مني ؟ إني شيخ خائر القوى ، لا يسعه أن يقاوم طويلا .

المزيد


الأفعى ……. قصة قصيرة

آذار 7th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

فحيح الأفعى يندفع من ركن البيت ، وأنا طريحة الفراش بين الحلم واليقظة .
فتحت عيني بصعوبة بالغة ، فلمحت أشعة خافتة تتماوج في أحشاء الظلمة ، ولاح لي الستار الذي كان يفصل بين عرفة الجلوس والمطبخ
حدقت فيه ببلاهة ، حيث كان الشعاع قد وشاه حمرة مفزعة .
أدركت أن الفحيح يندفع من خلف الستار ، حاولت أن أنسل من فراشي ، لكن الإعياء يشدني ، والخوف يلجمني عن الحركة .
تحسست السرير ، وتفرست ما حولي ، فأدركت أني وحيدة إلا من أشلاء نفسي المبعثرة ،
هل خرج وأسلمني لوحدتي أقارعها . ليس من عادته أن يخرج في وقت متأخر ، إلا أن يكون خطبا دعاه إلى ذلك . لم لم ينبئني ؟ فهو لا يكتمني أمرا , أو هذا ما كنت أشعر به خلال عام ونيف مر على زواجنا . أم تراني كنت مغفلة ساذجة ؟ لست أدري .
لكنه خرج وتركني محمومة في هذا التابوت .
أتراه كان يخونني ؟
رباه ، كيف يستحيلنبض الشغاف إلى لغز غامض لا أجد له منفذا .
وكيف تستحيل الأحلام الهانئة جحيما من الذعر الفازع .
كان يرقد بجواري ، وفتحت عيني فلم أجد سوى نفسي . لا يمكن أن أظل هكذا ، فأنياب الخوف تنغرز في أحشائي . لم لا أفعل شيئا ؟ كأن أهرب  . لكن .. آه ..
فالباب موصد بإحكام .
أرأيتم امرأة تلتزم لا تقاوم سجنها  ؟ تلك  أنا .
كنت لا أبرح البيت إلا برفقة زوجي ، وكان حبه لي يغفر له قيدا أحكمه حولي

يا إلهي ! لماذا يتصرف الرجال كذلك ؟ كيف يستحيل الحب أغلالا تلتف حول أعناقنا ؟
كيف يصبح سما زعافا ينساب في عروقنا ؟ بل كيف يغدو شبحا يترصدنا ؟
لا أكاد أفهم ذلك إلا إذا كان الحب مؤامرة دنيئة حيكت لنا .
الخوف يخرجني عن طوري ، والشك يدك عقلي .
ليس من الصواب أن أداري هواجسي . وأنا المرأة التي لا يطمع في أمرها . في حين أنه يملك الصبا والثروة والجمال . ليس ما يرغمه على أن يغرر بي .
لا بد أني ضللت صوابي .
خير لي  أن أتدارك أمري ، قبل أن يفتك بي خوفي .
لم لا أتحرر من تابوتي ، وأجوس النظر إلى عدو يترصدني خلف الستار .
ينبغي ألا آت أية حركة . ها هو الستار يتماوج كنجيع دم مغدور .
ليس هذا وقت تردد . لا مخرج لي إلا أن أكون أكثر جرأة وبأسا .
ها قد أصبحت جوار الستار . سأذوده قليلا ، وأنظر بحرص وحذر . تلك الأفعى تتلوى في ركن قصي ، يبدو أنها مرهقة ، أحاول أن أتمعنها جيدا ، تبدو رمادية اللون ، ضخمة في الوسط ، تلتف
حول نفسها ، وقد انسكب من عينيها بريق جهنمي .
سرت في أوصالي رعشة محمومة ، وأنا أتلافى ذاك البريق . إنه يذكرني بأمر ما .. .
ربما ذاك البريق الذي كنت أقرأه في عيني زوجي .
لكن كيف يستحيل وميض الحب الوادع إلى بريق عدواني بغيض ؟
لا أخال أني لمحت بريقا كهذا في عيني زوجي .
كم أنا غبيةحتى بت لا أميز بين الأشياء .
لكن لو أنه وقع في غرام امرأة أخرى ، وقرر أن يضع حدا لحياتي ، أفلا يمكن أن يستحيل بريق عينيه إلى نظرات أفعى ؟
أفلا يمكن أن يصبح حبه سما زعافا ينفثه في دمي ؟
هذه الأفعى تثير هواجسي . يخيل لي أن فيها بعضا منه . وفي عينيها بريق من عينيه .
أم تراني جانبت الصواب ؟ لكن الشواهد تدين زوجي .
كان ينام بجواري ، وأفقت فإذا به ينبس في جلد أفعى ، وقرر غيلتي .

لكن لماذا لا استجيب لحكمه ، كما استجبت لحبه من قبل .

لا لن أخضع ، سأطيح بك أيتها الأفعى ، وأظل الأفعى التي تنكأ جراحك, جاثمة على صدرك .
لن تخدعني مرة أخرى ، فقد تبدت لي مراوغتك .
لن أنحني لابتسامتك الندية ، وكلماتك الدافئة . فقد علمتني أن تحت الجلود الناعمة سما زعافا .
تحلي بالجلد والإقدام أيتها المرأة ، فليس بين الجبن والإقدام سوى شعرة .
اقطعيها وإلا فإن الردى سيطويك للأبد .
حاولي أن تسددي نحو الرأس . لكن بأي سلاح أنازلها ؟
ليس بحوزتي سوى الكؤوس والأواني . هيا أيتها المرأة ، تأهبي قبل أن تنقض عليك .
ها هي تتلوى 0 كم هي مفزعة ، لكنها مرهقة ، لا أظنها ستظفر بي ، فقد ابتلعت أكثر من طاقتها .
أما أنا فأشعر بنشاط لم أعهده من قبل .انسللت إلى مائدة الطعام ، تناولت كأسا كبيرة ،
غير أن الأفعى انسحبت إلى غرفة النوم . يكاد الخوف أن يبتلعني ،

قذفت الكأس على غير هدى .
بيد أنها ارتطمت بذيلها . ولاحت لي قطرات دم تنزف خلفها . بينما راحت تترنح كأنها فقدت
بعض توازنها .
شعرت بسعادة غامرة . يخيل لي أن آلاف الأفاعي تصحو في أعماقي . لن تظفري بي أيتها الأفعى
فأنا وحش عنيد .
ليس من العسير أن يستحيل الإنسان وحشا كاسرا .
بل من الضروري أن يفيق فينا هذا ا

المزيد


السر وحقائق أخرى ……..

شباط 25th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

حين انزلقت من بطن أمي صرخت على امتداد فمي

الضوء يفضحني بعيون ثاقبة حاقدة ، والهواء من حولي سياط جليدية آثمة .

أغمضت عيني وكوّرت جسمي . خيل لي أن الأشياء تتظاهر ضد وجودي ، حتى النساء ، أولئك اللواتي

أشرفن على ميلادي أنكرن قدومي . لم أسمع زغرودة واحدة ، بل بكاء ونشيجا .

وتناهى إلي صراخ امرأة تولول : تبا لك .. عليك اللعنة .

وقالت أخرى : ليتك لم تولد .

وقالت ثالثة : لولاك لم تمت .. أيها الشيطان أنت السبب .

هكذا إذن ، شيطان يولد ، وأم تموت ، وأنا السبب .

الأغبياء ؟ لماذا لا يكون أبي السبب ؟

أبي ؟ كم كان بودي أن ألمح وجهه ، أن يواسيني .. علّه يبدّد ضباب حزني ، ويذود عني ما ألم بي من كرب وشعور قاهر .

لكن اليوم مضى دون أن يمّر بي .

حين هبط الليل ، كان البيت يجثم في صمت مفزع ، إلا من زفرات وحشرجات رجل يصول حولي .

لا بد أن يكون أبي ، فليس من سواه في المنزل ، حاولت أن أتبين ملامحه ، لكن عينيّ مغمضتان بإحكام

والظلام يبتلع المنزل .

عبثا أحاول أن أتميزه ، .. شعرت بدفء أنفاسه تكتم أنفاسي ، ثم أحسست بساعدين صلبتين تسحبانني

من على السرير . لم أحرك ساكنا ، كان الفزع يلقي بي في قفار واجم .

انطلق الرجل بي يا إلهي : ماذا يريد بي ؟

أحاول أن أتظاهر وكأن الأمر لا يعنيني ، لكن صفع الريح يجلدني ، فأرتجف بشدة

كان الوقت يمر بطيئا ثقيلا ، والرجل يشق ركام الليل حتى تجاوز أطراف القرية 0

توقف أمام كومة من النفايات . هناك .. ألقى بي ، وعاد أدراجه دون أن ينبس ببنت شفة

هذا ما أذكره من يوم ميلادي ، لكن تساؤلين ما برحا وجداني .

الأول : كيف أكون أنا السبب في موت أمي ؟

والثاني: لم يقذف بي في القمامة ؟

حاولت أن أقنع نفسي بأن لا حول لي في أمر أمي ، بل حاولت أن أجد من يشاركني ذات الشعور .

حين أصبحت في الخامسة من عمري ، سألت المرأة التي كانت قد أنقذتني من القمامة ، وأودعتني منزلها:

استحلفك بالله : هل كنت أنا السبب في م
المزيد


خلجات قلب ثائر …… قصة

شباط 18th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

كان الظلام يجثم في عينيه ، حينما كان يتسلل إلى القرية الجبلية ،  لفح البرد يصفع

وجهه بحدّة . قطرات الماء تنسرب تحت ملابسه ، وأوراق الشجر تثب في عينيه ، كلما ا انحدر به الجبل تملكه حذر وريبة ، فالحفر المتناثرة تغص بالماء ، والطرقات تتآكل

على مشارف المنحدرات السحيقة .

وبينما كان يشق ركام الليل ، إذ زلت قدمه من حيث لا يدري ، فانزلق في حفرة وطيئة .

تحسس ما حوله بتمعن ، فاطمأن بالا .. صعّد الزفرات المخنوقة ، وهمس بصوت خافت :

كهف الشيخ يوسف ، لا حول ولا قوة إلا بالله . تغيب الوجوه ، وتنقضي الأيام ، وتظلّ

الأرض أرضا . هاهي أنفاس الكهف تفعم أنفي فتوقظ ذاكرتي .

هذا الكهف الذي كنا نلجأ إليه أيام الحرب ، وما قدّر لي أن أعود إليه بعد ذلك .

مدّ يده الراجفة تتحسس جيوب أرديته البالية ، علّه يعثر على صندوق التبغ ، فغلقت بيده ورقة

سميكة ، تفحصها جيدا ، أشعل عود ثقاب . خطف نظرة عابرة فتبيّنها  ، ضرب جبهته

بيده كأنه يستحث ذاكرته ، ومسح راحته بشعره الأشعث ، ثم تمتم لنفسه : زوجتي سلمى .. أين

أنت الآن . أشعل عودا آخر . حدّق في الصورة مرة أخرى ، حاول أن يستنهض الذكريات ،

 تفرس ملامحه من خلال الصورة : ابتسامته الحانية تشّع بها شفتيّن دقيقتين

 لا تلبث أن تومض في عينيّ عابثتين ، وهذه سلمى تلصق به مثل قطة أليفة .

خصلات شعرها الكستنائي تتمرد على جبينها ، وابتسامتها الندية تغالب شفتيها القرمزيتين ،

وعيناها الخضراوان تنمان عن بهجة مرحة .

يتناهى إلى أذنه وحي يعبر السنين . يهتف به : لن أنساك .. سأظلّ لك حتى الرمق الأخير .

كان يهبط المنحدرات ، ورغبة ملحة تدفعه لفعل أي شيء ، تستبد به تلك الرغبة ، فيضغط قبضته

ويلوح بها في الهواء ، ثم يمضي خفيفا ، يطوي الشعاب الملتوية ، ويخوض الوادي السحيق .

ثم يتسلل عبر القنوات الضيقة ، فتغمره سحابة أمل دافئ . وتعبق بأنفه رائحة البلوط والشواء

تنبعث من البيوت التي تناثرت بأطراف القرية .

دلّف نحو الزقاق الذي يفضي إلى بيته العتيق ، مهد الصبا والذكرى .

نبضات قلبه تتسارع ، وأنفاسه لاهثة متواثبة ، وأطياف الذكرى تضطرب أمام

ناظريه . وماذا في جعبة الذكريات أحلى من بيته المتواضع البسيط ، فيه نشأ وترعرع وتنسم الحياة ، وفيه انبلج الحب منذ عرف سلمى .

وفيه أودع الذكريات منذ عام مضى .

كان في الهزيع الأخير من الليل ، حين أطبق جنود الاحتلال على المنزل ، أدرك

أنه سيعود إلى غياهب السجن ، ذلك السجن الذي ما أن يفلت منه حتى يرتد إليه

من جديد . لكنه حزم أمره وقرر أن يلوذ بالفرار .

سحب من سيجارته نفسا عميقا ، وحين كان يتسلق الجدار ، أحس وخزا يلسع

أعماقه ، تذكر المهمة التي أنيطت به ، لكنه سيلتقي سلمى ، ويقطف منها أشواقا

وحنينا ، صّعد الزفرات وتأفف : لربما تكون المرة الأخيرة .

سوف أعود إلى الرفاق قبل أن يأزف الموعد .

انزلق إلى فناء الدار ، توجس طريقه إلى البيت ، ذلك البيت الذي فاض بأحلى

الذكرى . فيه عرف سلمى ، وفيه شب الحب واشتعل الوجدان ، وفيه أثملته كؤوس

الهوى .

عدت إليك يا سلمى . سوف أحتضنك كطفل عادت إلى أمه أنفاس الحياة ، وأذيبك

في بحر وجدي علّنا نطفئ جذوة الحنين .

شعاع ضئيل يتسلل عبر الستائر ، يدنو من النافذة . يرهف السمع عله يشنف

أذنيه بأنفاس سلمى .

بغتة : يشعر وكأن قلبه تلاشى ، وأنفاسه تخمد .. ماذا يسمع ؟

تأوهات امرأة تعاني وطأة الغرام .

من سلبني بيتي وذكرياتي ؟ أين رحلت سلمى ، ومن تراه يقيم في منزلي ؟

أرهف السمع حذرا وجلا . يكاد أن يصرعه الشعور بالذعر والفزع .

إنها سلمى ، آهاتها الحرّى ، وتأوهاتها الماجنة .

أغمض عينيه وكأنه يحاول أن يتحرر مما هو فيه . يود لو أنه كان يحلم ، أن ينكر

ما تناهى إلى أذنه ، أن يتلاشى ، أو أن يتلاشى كل ما حوله .

قوة غامضة توقظ الأفاعي من سباتها .. ماذا تراه يفعل ؟

هل يكسر الباب ويحرق من في البيت ، أم تراه يندحر إلى ضفاف الهزيمة ذليلا مكسورا . تمالك نفسك أيها الرجل همس لنفسه .

تذكر الكوة الضيقة في أعلى الجدار ، تحسس ما حوله ، فعثر ع

المزيد


صرخات تحت التراب ……..

كانون الثاني 31st, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

صرخات تحت التراب ……


فنحت عيني فابتلعني ظلام دامس ، استبد بي شعور قاهر ، وخيل لي أني فقدت بصري

رفعت يدي ، لكنها عادت واستقرت في مكانها بخضوع

شعرت بضيق واختناق ، تململت وتحسست ما حولي . أصفاد وقيود تأسرني فيما يشبه الموت

المكان الذي يحتويني ضيق جدا .. وأنا مكبل فيه كالأموات

لماذا لا أكون ميتا ؟ همست لنفسي ، كنت شديد الإعياء حين آويت إلى فراشي ، الناس يتحلقون

بي ، والأضواء ترتعش فوق رأسي .. وهاأنذا مدفون تحت الأرض

قطرات حارة من سائل ما تنساب على وجهي ، أنياب حادة تلسع أصابع قدمي كوخز الأشواك

أجسام صغيرة تحبو تحت قطعة القماش التي تلفني بإحكام

لم لا أكون ميتا ؟ همست لنفسي مرة أخرى

مددت يدي أمام وجهي ، فارتطمت بمادة هشة ، وعادت إلي بخضوع القطرات الغريبة

تحفر وجهي ، والجسيمات الجائعة تنهش أطراف جسمي .. حثالة وتراب ومواد لا أعرفها تتقاطر

في عيني الأصفاد والقيود تقبض أنفاسي

يا إلهي ! من جرأ أن يدفنني في هذا القبر الأحمق ؟ ألا يمكن أن تكون لعبة سخيفة ، أم أنه

الموت البغيض ؟ الهوام والديدان تزحف على صدري ، رائحة خانقة تعبق في أنفي .. خناجر

الألم تحفر أعماقي . لا .. لا يمكن أن أكون ميتا لماذا لا أحفر هذا الغطاء المتكابر فوق رأسي ؟

تحركت أصابعي خلال الفسحة التي تفصل بيني وبين الغطاء .. خدشت الطين الرطب الحار ،

فسرت في أوصالي رعشة محمومة ، وسمعت صوتا ناعما يرن في أذني : لا تعبث بالطين .

أدرت ناظري بيأس مقهور ، وقلت بنبرة مضطربة : أهذا أنت ؟

قال الصوت الناعم : أجل .. أنا التي وهبتك الحياة والحب والموت .

ــ : وهل أنا ميت حقا ؟

ــ : إنك على الخيط الفاصل بين الموت والحياة .

ــ : وما هذا الجحر اللعين ؟

ـ : إنه جحر الذين يبحثون عن الحرية

ــ : ومتى كانت الحرية أصفادا وقيودا ؟

ــ : مقاومة القيود حرية .

ــ : وهل الموت حرية ؟

ــ : منحتك الحرية فأضعتها .

ــ : بالله عليك عن أية حرية تتحدثين ؟

ــ : حرية الخضوع .. الهتاف ، وقرع الطبول .

ــ : الخضوع للأموات ، والحرية للأحياء

ــ : وأنت ميت .

ــ : سأخرج من قبري .. وأضرم النيران .

قهقهت ساخرة ثم قالت : تأبى إلا أن تكون شيطانا .

قلت : وأنت رغم سحرك الفتان .. آثمة طاغية ، ما زلت أذكر قولك : الحرية للشيطان .

قالت : والطاعة من شيم الملائكة

كظمت غيظي ، أحدقت فيها ، لكن نظراتي انحسرت ، وقد اضطرمت بي رغبة مجنونة ، وأنا

أتابع تلك القناة الضيقة التي حفرت على صدرها ، وقد خيل لي أن حريتي تتوقف حين تنحسر

تلك القناة فتنبلج على ضفتيها آثام الحياة بأبهى مفاتنها .

عاهرة ……. صرخت دون ما وعي.. أنت لا تبحثين عن ملائكة ، بل عن كلاب

كلاب تحسن الطاعة ، وتحسن الفتك والنباح .

رمقتني بنظرة عابثة وهي تقول : أنت شيطان بائس ، تحلم أن تكون نبيا ، لكنك في أرقى

الحالات لا تحسن أن تكون أكثر من نصف ملحد .

ــ : تبا لك .. إن الأنبياء أكثر الناس شقاء ، وأنا لا أطمع في شقاء أكثر مما أنا فيه .

ــ : زنديق مكابر .. أراهن أنك تعشق الشقاء.

ــ : بل الشقاء هو الذي يعشقني .

ــ : لم لا تنفضه عن كاهلك وتمضي حيث النعيم ؟

ــ : والجياع من لهم غيري ؟

ضحكت كأنها تهزأ ، ثم تداركت : الجياع ؟ ومن دفنك هنا غير الجياع ؟

ــ : كاذبة .. لم يفعل بي ذلك إلا الكلاب .

ــ : والجياع ماذا فعلو لك ؟ ــ : مغلوب على أمرهم

ــ : أنت أحمق ، لا تقرأ مطاوي النفوس ، هؤلاء الجياع لا يرون فيك إلا شيطانا يثير الفتن ،

ولو عدت إليهم لصوبوا نحوك السهام ، وصلبوك على قارعة الطريق .

مذ رحلت وهم يصبون عليك جامّ غضبهم ، ويقدمون الولاء للكلاب .

حشرجة الموت تفتك بي ، ويدي تنسدل بجواري ساكنة مهزومة ، ظلام دامس يغلف بصري .. رمال قذرة تعبث بعيوني .. أبحث عمن يواسيني على عتبات الموت .

أين أنت يا جلادي ؟

هربت مني الأشياء فلم يبق لي سوى أصفادي وذاكرتي .

أذكر يوم ‘فتحت أبواب المدينة للكلاب .. جفت المياه ، وأنشب الجوع أنيابه . لكن الفزع دفع

الناس إلى الهتاف ودق الطبول .

طافت بضحكتها الجموع الحاشدة ، ثم قالت : يسرني أن أصغي إليكم ؟

قفزت من بينهم وقلت : نريد الخبز والحرية .

ابتسمت بعذوبة وقالت : بل الخبز أو الحرية .

قلت : نريد الحرية .

رد القوم بصوت واحد : الحرية .. الحرية .

قالت وهي تدير ظهرها وتمضي : لكم ذلك .

لم تمض إلا لحظات حتى تدافعت الكلاب الهائجة ، فالتحمت بالجموع الح

المزيد


الساحر الأبله ………..

كانون الثاني 17th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

الساحر الأبله

 

 

كان يدعى (الساحر الأبله )، وكان شيخا هرما ، حفرت وجهه التجاعيد ، عيناه زائغتان ، لا يحفل به أحد .

 وإذا صدف وحدثه أحدهم ، ابتسم ابتسامة بلهاء ثم مضى في حال سبيله يتبعه كلب وقرد .

وحينما كان يتسلل إلى مقهى القرية برفقة كلبه وقرده ، يتهامس الحاضرون ويشير إليه بعضهم

قائلا : ( الساحر الأبله ) .

يتوقف قليلا ثم يدير ناظريه في الجالسين ، وتصدر عنه حركات عفوية ، فينفجر الكل ضاحكا ..

يدنو منه صبي يقوده إلى مكان مرتفع يشبه خشبة المسرح ،.

ويهتف الغلام قائلا : ( أيها السادة : أقدم لكم العم خليل )

وبعد أن يتبادلون الابتسامات الساخرة ، وربما صفق أحدهم هازئا ، ينحني الساحر انحناءة خفيفة ، ويبتسم ابتسامة بلهاء .

 ثم يبدأ اللعب بأن يشير إلى القرد قائلا : هيا يا (رماد) .. قدما إلى الحضور رقصة القرد والكلب .

ينتصب القرد على قدميه ، وكذلك الكلب ، ثم تتشابك أيديهما ، ويبدأ الرقص ..

أثناء ذلك يتدخل الشيخ موجها حديثه إلى الكلب : هيا يا( مشعل ) ، قبّل صديقك (رماد ) .

يستجيب الكلب للشيخ ، فيحتضن القرد  ، ويطبع على شفتيه قبلة طويلة ، بيد أن القرد يبدي امتعاضا شديدا فيبصق في وجه الكلب ، مما يجعله ينج غاضبا ، فيترك الرقص ثم يقفز حتى يستقر على كتفي القرد .

يحاول رماد أن يتحرر من الكلب ، لكن الأخير يتشبث به  . 

 يدور القرد حول نفسه مرات ومرات ، حتى يفقد مشعل توازنه   .

  فيلقي به بعيدا وقد أغمي عليه . 

 يدنو الساحر من "رماد " ، يعنفّه وينحي عليه باللائمة .

ينزوي القرد جانبا ، ويطأطئ  رأسه كناية عن الندم والاعتذار .

لكن الساحر  يضرب الأرض بعكازه ، ثم يقول : قررت المحكمة أن تموت شنقا .

كانت المقصلة قد أعدت : حبلا يتدلى من السقف ، تم ربطه على هيئة أنشوطة ، تتدلى على

كرسي خشبي .

استجاب القرد إلى حكم سيده ، فاعتلى الكرسي ، وأولج رأسه في الأنشوطة .

سحب العجوز الكرسي ، فانزلق القرد ، وترنح في الهواء .

جحظت عيناه ، وتدلى لسانه ، فحرره الساحر من الأنشوطة : جثة هامدة .

كتم الحضور أنفاسهم ، وصوبوا أنظارهم الدهشة نحو الجثة .

تقدم الساحر من القرد ، همس في أذنه : هيا انهض يا عزيزي . لكن القرد لا يبدي حراكا .

يربت الساحر على رأسه ويهمس : عشان " أبو زنط "  ، يصمت هنيهة ثم يستأنف  : طيب

عشان " الشبح "   " أبو الليل " . لكنه لا يستجيب .

 وأخيرا يهمس في أذنه كلاما غير مسموع ، فينتفض القرد ويستعرض الحضور ، بحركات ساخرة ،

يصفق له الجميع . لكنه يبصق ، ويدير لهم عورته .

يعترض المختار قائلا : الله يخزيك ما أسفلك ، والله ما علمك السفاله إلا صاحبك .

يشق " رماد " طريقه بين الموائد ، يقف عند مائدة " أبو زنط " الذي هب واقفا لتحيته .

فيرفع القرد يده إلى جبينه محييا . ثم يقبل يده .

يبتسم له " أبو زنط " فينقده بضعة قروش .

يكرر ذلك مع الشبح ، وأبو الليل .

وحين يمر بالمختار ، يدير له عورته ، ويحدث ريحا وفرقعة .

يقف المختار محتدا ، يصوب نظرات ثاقبة إلى الساحر ، يفتل شاربيه اللذين احتلا جل وجهه

  الناحل ، ثم يقول بنبرة حادة : والله يا خليل اللي صار فيك ما هو ربع جزاك : من مدير مدرسة

محترم ، لمجنون بعلم القرود الرزالة ، وقلة الحيا .

ولا هذا الثاني من شلة الثورجية الزعران .

سحب نفسا من سيجارته ، ثم تابع : ولك شو بيني وبينك ؟ ولا عشان طردوك من المدرسة ؟

لا تكون فاكر أنا السبب .

قاطعه أحد الحضور قائلا : يا مختار هذا قرد ، ما بعرف قيمة الناس .  وبلاش تحط راسك في راسه .

المختار : لا والله خليل الأهبل قسم العرب عربين : ثورجية ،  مثل أبو زنط ، والشبح ، وأبو الليل .

وخون : مثل المختار .  ولكم عليي الطلاق إنه عندي وطنيه أكثر منكم . يا ثورجيه ، يا همل .

 انتفض أبو زنط ، ولوح قبضته في الهواء فجذبه أحدهم ، وهمس في أذنه : أبو زنط ، خليك عاقل ،

هذا وسخ ، تذكر أكم مرة حطك في الحبس .

 الجميع يعرف أبو زنط ، فرغم جسمه الضئيل ، إلا أنه يسيطر على الآخرين بنظرات مقتحمة ،

وقبضة فولاذية .

أثناء ذلك ، لهوج الساحر قائلا : ياالله يا مشعل ، يا الله يا رماد ، خلينا نتوكل .

انطلق الساحر بقرده وكلبه ، ثم تبعهم " أبو زنط " والشبح ، وأبو الليل .

قال المختار : درب تودي ..

طلب نفسا وكأسا من الشاي . ثم تابع حديثه : الله يخزيك يا شيطان . كل ما اليهود حبسوا واحد ، حطوها في ظهر المختار ، كل من انطرد أهبل من وظيفته ، قالوا المختار .

كل ما طبت مصيبه من السما

تدخل أحد الحضور قائلا : سيبك منهم يا مختار ، انته سيد سيدهم ، قبل ما يحتل اليهود البلاد .

والعين ما بتعلا على الحاجب ، هذول شوية همل وزعران .

ابتسم المختار ، ثم قال وهو يختطف نظرة نحو الرجل : الله يجبر خاطرك يا " شنار " ، والله انك ابن حلال ، أما هذول الثورجيه ، تانشوف آخرتها معهم . يا عمي بدهم يحرروا فلسطين ،

والله ليخربوا بيتنا أكثر ما هو خربان .

رد " شنار " على المختار قائلا : فشروا ، والله بيتك ليظل عمران لو ادمر الشرق الأوسط كله .

امتعض المختار ، أخذ نفسا ، ورشف من كأس الشاي ، ثم قال : شو قصدك يا " شنار " ؟

تدارك شنار نفسه وقال : لا تفهمني غلط يا مختار .

ــ : لا .. لا يا شنار ، انته بتظل أشرف من هالأمة التعبانه ، يالله بسيطه .

انفض المقهى في وقت مبكر .

عاد الساحر في الليلة التالية ، وقدم عرضه المعتاد . وبعد أن شنق رماد ، وتظاهر بالموت ، وانهمك

الساحر يحتال عليه . 

تقدم المختار قائلا : شو بتعطيني يا خليل إذا خليت قردك يقوم مثل لحصان ؟

قلب المختار " رماد " ، تحسسه ، جس نبضه ، ثم رفع رأسه وقال : يظهر يا خليل إنه

المزيد


قصة ( النبي والشيطان )

كانون الثاني 17th, 2007 كتبها عمر موسى نشر في , قصة ..

 

 


النبي والشيطان 

1

 

 

تنسرب القرية  تحت جنح الليل البهيم ، لكن الفزع يقدح شررا يشق حجب الظلام ،

 فتثب النفوس من سباتها المضطرب ، وقد أعياها التوجس ،

ومقارعة الخوف من مجهول لا بد أنه آت .

السلطان غاضب ، ولن يشف غله سوى رأس الشيطان ، والشيطان في عهدة المختار .

تبا لهما ، فقد أثارا حفيظة السلطان .

المختار .. ذلك المغرور ، يأبى إلا أن يحفظ خيط الود مع الشيطان ،

وما علم أن غضب السلطان من غضب الله ،

وأنه سيضرم النار في القرية إن هي تسترت على الشيطان .

يخيل لي أن القوم أغبياء ، أو أنهم يكابرون ،  حتى إذا شفّهم  سعير النار تنبهوا ، وأدركوا أي غيّ كانوا فيه يعمهون .

تراهم ينافحون عن الشيطان كأنه نبيّ مغبون ،  كيف لا وهو ذاك الشاب الوديع الذي حطم الغرانيق على أبواب المسجد ،

ومد يد العون للجياع ، فاستأثر بعطف العامة والمستضعفين .

لكن ما جدوى ذلك ، وقد أثار هذا المأفون حفيظة السلطان .

 ألم يدرك أن السلطان ظل الله على الأرض ، ومن خالفه كأنما عصي ربه .

 فحلت عليه اللعنة ، وكان شيطانا منبوذا .

منذ توعد السلطان القرية ، والناس يرقبون اللحظة التي تنشب فيها ألسنة اللهب ،

 ماذا تراهم يفعلون ؟ لو كان الأمر بيدي لقدمت للسلطان رأس الشيطان على طبق من ذهب ، وكفيت القرية شرا مستطيرا .

  لتذهب القرية إلى الجحيم ، سأحزم أمتعتي وألوذ بالفرار شأن الآخرين .

في الهزيع الأخير من الليل ، فتحت أبواب جهنم ، فالنيران تدب في القرية .

يتدافع  الناس هربا من ألسنة الموت .

على أطراف القرية ينفضون ذعرهم وأحزانهم .

خمدت القرية في أتون اللهب ، وتدثرت بسحب الدخان التي حجبت عنها الضياء .

يتنازع الناس خوف غامض ، وزمهرير فاتك ،  وجوع قاهر .

نصبوا الخيام على أطراف القرية ،

 لكن الريح كانت تنزعها بين الفينة والأخرى .

استغاثوا بالسلطان ، وعدهم نهرا من الخبز والنبيذ ………

 لكن بعد أن يظفر بالشيطان .

 

 

 

 

 

 

قال أحدهم : أخشى ألا يعثروا على الشيطان .

تساءل آخر : لا أدري لماذا ألصقتم به هذا اللقب !  فأنا أعرف الرجل      شابا وديعا ، يدعى " محمد"

لا تني شفتاه تفتر عن ابتسامة رقراقة خجلة ، كل ما فعله أنه تمرد على السلطان .

قال آخر : ما كان ينبغي له ذلك .   ماذا كانت النتيجة ؟

قرية خاوية على عروشها ، أطفال ونساء وشيوخ يكابدون الجوع والبرد والهزال .

رجل آخر : متى يعثرون عليه ؟   البعض يدعي أنه نبيّ ، وقد رفع إلى السرادق العلا  ، أو ربما أطبقت عليه أنياب الثرى .

قال آخر : البعض يدعي أنه تلبّس امرأة ، وخرج من القرية .

على أبواب القرية تم إخضاع النساء للتفتيش  ، لكنهم لم يعثروا على شئ .

بيد أن فكرة لماحة لمعت في ذهن السلطان ، تقضي بأن تخضع النساء للتفتيش من جديد ، لكن ليس من قبل النساء .

فالشيطان لا يظهر للنساء ، ولا يعقل أن يتم ذلك من خلال الرجال ، لما فيه من خدش للقيم والتقاليد .

لكن .. من قبل " الخصيان " ،فالشيطان ضعيف أمام الخصيان .

 لكن السلطان يحتاج جيشا من الخصية ، فكيف يعثر عليهم .

أعلن السلطان عن حاجته للخصيان ، سينقدهم أموالا ، ومكافأة مجزية حين يتم القبض على الشيطان .

فكرت في الأمر ، راودتني خاطرة ، ضحكت لها ،

قال أحدهم يستشرف أمري : ما بك ؟

قلت : سوف أعرض خدمتي على السلطان .

ــــ : وهل أنت خصي ؟

قلت : ليس بالضرورة . لكن يمكنني  أن أكون خصيا

قال كمن يقلب الأمر في رأسه : إنها فكرة …

قلت : هيا بنا .

هرول الرجال صوب السلطان ، .. قدموا  الولاء ، وقدموا أنفسهم : أيها السلطان : نحن  "خصيان ". .

ضحك حتى أقعى على ظهره ، ثم قال : كلكم ؟

       ــ   :      كلنا ! كلنا !.

ــأشار إلى أحد معاونيه ، ألقمنا خبزا ولحما ونقودا ، ثم توجه بنا إلى خيام النساء .  كانت مهمتنا يسيرة ، أن نفتش النساء بحثا عن الشيطان .  لكن ما أثار حنقي أن المرأة التي تعرت لي لم توقظ أوجاعي الجنسية ، تخيلت لوهلة أني فقدت ……  تفرست نهديها المذعورين الراجفين بفعل البرد اللاسع ، ونقلت بصري في ثنايا جسدها ، لكني أدركت أني فقدت غريزتي .

مضت عدة شهور ، دون أن نعثر على الشيطان . تركنا الخيام تلعب في مهب الريح ، وعدنا أدراجنا إلى القرية . 

كانت بائسة ، تتشح بالسواد ، تتناثر فيها جثثا متفحمة بائسة ، وتكثر فيها الكلاب التي تعبث بالهياكل العظمية .

  جند السلطان يجوبون الشوارع والأزقة ، بحثا عن ضالتهم المنشودة .

لاذ الناس بظل الأنقاض ، رغم ما يستنهض فيهم من ذكريات فاجعة .

أوقدوا نارا وتحلقوا بها ، حتى عاد الدفء يسري في عروقهم الباردة .

عادت الحياة تدب في القرية البائسة ،بعد أن هدأ خوفها ، وأسلمت أمرها للسلطان .

بيد أنها ظلت تعاني وطأة الجوع والبرد .

كنا نجتمع كل ليلة ، نستأنس بدفء النار ، ونتجاذب نثار القول ، نسترجع الذكريات ، ونلج أبواب الغد علنا نستجلي مكامنه .

قال أحدهم : سقى الله أياما كنا فيها رجالا .

قلت دون ما وعي : إنا رجال أكثر من أي وقت مضى .

 ضحكوا جميعا 000 ثم قال أحدهم  و قد استجمع أشتات طمأنينته : الرجال في القبور 0

قلت : بل نحن الرجال 000 ماذا تغير علينا ،سوى أن الشيطان اختفى ، فأمّنا شر السلطان .

قال أحدهم : إن كنت رجلا ……… قلت : غرد أيها البلبل 000 ماذا تريد أن تقول 0

ـ: اخلع سروالك 0

ـ : و هل سروالي مفتاح رجولتي ؟!

ـ : و تفقّد زوجتك إن كانت حاملا 0

قلت : إنها حامل ، كسائر النساء 0

المزيد





أنا يا عصفورة الشجن= مثل عينيك بلا وطن
بي كما بالطفل تسرقه= أول الليل يد الوسن
واغتراب بي وبي فرح= كارتحال البحر بالسفن
أنا لا أرض ولا سكن= أنا عيناك هما سكني
راجع من صوب أغنيةٍ= يا زمانا ضاع في الزمن
صوتها يبكي فأحمله= بين زهر الصمت والوهن
من حدود الأمس يا حلماً= زارني طيراً على غصن
أي وهمٍ أنت عشت به =كنت في البال ولم تكن

مرسي جميل عزيز