النبي والشيطان
1
تنسرب القرية تحت جنح الليل البهيم ، لكن الفزع يقدح شررا يشق حجب الظلام ،
فتثب النفوس من سباتها المضطرب ، وقد أعياها التوجس ،
ومقارعة الخوف من مجهول لا بد أنه آت .
السلطان غاضب ، ولن يشف غله سوى رأس الشيطان ، والشيطان في عهدة المختار .
تبا لهما ، فقد أثارا حفيظة السلطان .
المختار .. ذلك المغرور ، يأبى إلا أن يحفظ خيط الود مع الشيطان ،
وما علم أن غضب السلطان من غضب الله ،
وأنه سيضرم النار في القرية إن هي تسترت على الشيطان .
يخيل لي أن القوم أغبياء ، أو أنهم يكابرون ، حتى إذا شفّهم سعير النار تنبهوا ، وأدركوا أي غيّ كانوا فيه يعمهون .
تراهم ينافحون عن الشيطان كأنه نبيّ مغبون ، كيف لا وهو ذاك الشاب الوديع الذي حطم الغرانيق على أبواب المسجد ،
ومد يد العون للجياع ، فاستأثر بعطف العامة والمستضعفين .
لكن ما جدوى ذلك ، وقد أثار هذا المأفون حفيظة السلطان .
ألم يدرك أن السلطان ظل الله على الأرض ، ومن خالفه كأنما عصي ربه .
فحلت عليه اللعنة ، وكان شيطانا منبوذا .
منذ توعد السلطان القرية ، والناس يرقبون اللحظة التي تنشب فيها ألسنة اللهب ،
ماذا تراهم يفعلون ؟ لو كان الأمر بيدي لقدمت للسلطان رأس الشيطان على طبق من ذهب ، وكفيت القرية شرا مستطيرا .
… لتذهب القرية إلى الجحيم ، سأحزم أمتعتي وألوذ بالفرار شأن الآخرين .
في الهزيع الأخير من الليل ، فتحت أبواب جهنم ، فالنيران تدب في القرية .
يتدافع الناس هربا من ألسنة الموت .
على أطراف القرية ينفضون ذعرهم وأحزانهم .
خمدت القرية في أتون اللهب ، وتدثرت بسحب الدخان التي حجبت عنها الضياء .
يتنازع الناس خوف غامض ، وزمهرير فاتك ، وجوع قاهر .
نصبوا الخيام على أطراف القرية ،
لكن الريح كانت تنزعها بين الفينة والأخرى .
استغاثوا بالسلطان ، وعدهم نهرا من الخبز والنبيذ ………
لكن بعد أن يظفر بالشيطان .
قال أحدهم : أخشى ألا يعثروا على الشيطان .
تساءل آخر : لا أدري لماذا ألصقتم به هذا اللقب ! فأنا أعرف الرجل … شابا وديعا ، يدعى " محمد"
لا تني شفتاه تفتر عن ابتسامة رقراقة خجلة ، كل ما فعله أنه تمرد على السلطان .
قال آخر : ما كان ينبغي له ذلك . ماذا كانت النتيجة ؟
قرية خاوية على عروشها ، أطفال ونساء وشيوخ يكابدون الجوع والبرد والهزال .
رجل آخر : متى يعثرون عليه ؟ البعض يدعي أنه نبيّ ، وقد رفع إلى السرادق العلا ، أو ربما أطبقت عليه أنياب الثرى .
قال آخر : البعض يدعي أنه تلبّس امرأة ، وخرج من القرية .
على أبواب القرية تم إخضاع النساء للتفتيش ، لكنهم لم يعثروا على شئ .
بيد أن فكرة لماحة لمعت في ذهن السلطان ، تقضي بأن تخضع النساء للتفتيش من جديد ، لكن ليس من قبل النساء .
فالشيطان لا يظهر للنساء ، ولا يعقل أن يتم ذلك من خلال الرجال ، لما فيه من خدش للقيم والتقاليد .
لكن .. من قبل " الخصيان " ،فالشيطان ضعيف أمام الخصيان .
لكن السلطان يحتاج جيشا من الخصية ، فكيف يعثر عليهم .
أعلن السلطان عن حاجته للخصيان ، سينقدهم أموالا ، ومكافأة مجزية حين يتم القبض على الشيطان .
فكرت في الأمر ، راودتني خاطرة ، ضحكت لها ،
قال أحدهم يستشرف أمري : ما بك ؟
قلت : سوف أعرض خدمتي على السلطان .
ــــ : وهل أنت خصي ؟
قلت : ليس بالضرورة . لكن يمكنني أن أكون خصيا
قال كمن يقلب الأمر في رأسه : إنها فكرة …
قلت : هيا بنا .
هرول الرجال صوب السلطان ، .. قدموا الولاء ، وقدموا أنفسهم : أيها السلطان : نحن "خصيان ". .
ضحك حتى أقعى على ظهره ، ثم قال : كلكم ؟
ــ : كلنا ! كلنا !.
ــأشار إلى أحد معاونيه ، ألقمنا خبزا ولحما ونقودا ، ثم توجه بنا إلى خيام النساء . كانت مهمتنا يسيرة ، أن نفتش النساء بحثا عن الشيطان . لكن ما أثار حنقي أن المرأة التي تعرت لي لم توقظ أوجاعي الجنسية ، تخيلت لوهلة أني فقدت …… تفرست نهديها المذعورين الراجفين بفعل البرد اللاسع ، ونقلت بصري في ثنايا جسدها ، لكني أدركت أني فقدت غريزتي .
مضت عدة شهور ، دون أن نعثر على الشيطان . تركنا الخيام تلعب في مهب الريح ، وعدنا أدراجنا إلى القرية .
كانت بائسة ، تتشح بالسواد ، تتناثر فيها جثثا متفحمة بائسة ، وتكثر فيها الكلاب التي تعبث بالهياكل العظمية .
جند السلطان يجوبون الشوارع والأزقة ، بحثا عن ضالتهم المنشودة .
لاذ الناس بظل الأنقاض ، رغم ما يستنهض فيهم من ذكريات فاجعة .
أوقدوا نارا وتحلقوا بها ، حتى عاد الدفء يسري في عروقهم الباردة .
عادت الحياة تدب في القرية البائسة ،بعد أن هدأ خوفها ، وأسلمت أمرها للسلطان .
بيد أنها ظلت تعاني وطأة الجوع والبرد .
كنا نجتمع كل ليلة ، نستأنس بدفء النار ، ونتجاذب نثار القول ، نسترجع الذكريات ، ونلج أبواب الغد علنا نستجلي مكامنه .
قال أحدهم : سقى الله أياما كنا فيها رجالا .
قلت دون ما وعي : إنا رجال أكثر من أي وقت مضى .
ضحكوا جميعا 000 ثم قال أحدهم و قد استجمع أشتات طمأنينته : الرجال في القبور 0
قلت : بل نحن الرجال 000 ماذا تغير علينا ،سوى أن الشيطان اختفى ، فأمّنا شر السلطان .
قال أحدهم : إن كنت رجلا ……… قلت : غرد أيها البلبل 000 ماذا تريد أن تقول 0
ـ: اخلع سروالك 0
ـ : و هل سروالي مفتاح رجولتي ؟!
ـ : و تفقّد زوجتك إن كانت حاملا 0
قلت : إنها حامل ، كسائر النساء 0
المزيد