الساذجة .. قصة قيرة

شباط 4th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

الساذجة..تشيكوف

 

 

منذ أيام دعوت إلى غرفة مكتبي مربية أولادي ( يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها.
قلت لها:
اجلسي يا يوليا فاسيليفنا.هيا نتحاسب. أنت في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبيها بنفسك…حسناً… لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر….
- أربعين ..
-كلا، ثلاثين…هذا مسجل عندي…كنت دائماً أدفع للمربيات ثلاثين روبلاً.
حسناًلقد عملت لدينا شهرين…
-شهرين وخمسة أيام …
شهرين بالضبط…هكذا مسجل عندي…إذن تستحقين ستين روبلاً… نخصم منها تسعة أيام آحاد …فأنت لم تعلمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط…ثم ثلاثة أيام أعياد.

تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن..لم تنبس بكلمة!
-نخصم ثلاثة أعياد، إذن المجموع اثنا عشر روبلاً…كان (كوليا) مريضاً أربعة أيام و لم تكن دروس…كنت تدرسين لفاريا فقط… وً ثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحت لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء…إذن اثنا عشر زائد سبعة- تسعة عشر… نخصم، الباقي… واحد وأربعون روبلاً… مظبوط؟
واحمرت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها.
وسعلت بشدة وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة!
- قبيل رأس السنة كسرت فنجاناً وطبقاً. نخصم روبلين..الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض..نعم، وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجره ومزق سترته.. نخصم عشرة….وبسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة من فاريا حذاء.
ومن واجبك


المزيد


حوار تحت الأنقاض .. قصة قصيرة

كانون الثاني 15th, 2009 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول, قصة ..

قالت الطفلة لأمها :لم أعد أشعر بأزيز الطائرات وفرقعة القنابل .. ماذا جرى يا أمي ؟

قالت الأم وهي تحتضن طفلتها :

لأننا يا حبيبتي .. متنا ..

قالت الطفلة : لكن وجهك يغرق بالدماء يا أمي .. هل تتألمين ؟

قالت الأم : أنت أيضا تغرقين في الدماء .. الأموات لا يشعرون يا حبيبتي ..

ــــــ : هل سنبقى هكذا يا أمي ؟

ــــــ : كلا يا ابنتي … لا بد أن يأتوا بعد قليل ..

ــــــ : وماذا يفعلون لنا ؟

ــــــ : سوف تنقلنا سيارات الإسعاف للمستشفى

ـــــــ : وماذا يفعلون لنا في المشفى ؟ هل يعيدون لنا الحياة ..

ـــــــ : كلا يا ابنتي … سنبقى في ثلاجة الموتى .. حتى يهيئون لنا قبرا …. وبعد ذلك يوارونا التراب ..

ـــــــ : لا أريد ذلك يا أمي .. لن أذهب معهم

ــــــــ : أترفضين أن نذهب إلى الجنة ؟؟

ـــــــــ : الجنة ؟ وأين الجنة يا أمي ؟

ـــــــــ : الجنة في السماء … عند الله

ـــــــــ : ولماذا يدفنوننا تحت الأرض ؟

ــــــــــ : لا بد أن يدفنوننا أولا .. ثم نطير بعد ذلك نحو السماء ..

ــــــــ : لكن طائراتهم تجول في السماء .. كيف يسمحون لنا بالذهاب إلى الجنة ؟

ـــــــ : سوف يرفعنا الله .. دون أن يشعروا بنا ..

ــــــــ: وهل الجنة أجمل من غزة يا أمي ؟

ــــــــ : الجنة أجمل من كل البلاد ….

ـــــــــ : لماذا لا يترك اليهود لنا غزة .. ويذهبون هم إلى الجنة ؟

ـــــــــ : الجنة للشهداء والأطفال .. واليهود قتلة ..
المزيد


الحلية .. جي دي موباسان

أيلول 5th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

الحلية

The jewel

 

جي دي موباسان

 

ترجمها :احمد الزيات

 

 

الحلية قصة قصيرة.

وقد اجتمعت آراء النقاد في العالم  علي أن هذه القصة هي الأنموذج الكامل للقصة القصيرة ذات النهاية المفاجئة,التي تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة : الشخوص , والمكان والزمان , والمسوغات المنطقية للأحداث , والنهاية , كما تتوافر فيها عناصر أخرى مثل : التشويق , والمصادفة المعقولة , والتصوير الدرامي , والتدرج لبلوغ النهاية.

 

 

 

(القصة)

 

 

 

كانت من أولئك الفتيات الأنيقات اللاتي يحسبن و لادتهن في أسرة من اسر الموظفين مصيبة ،لم يكن لديها صداق ([1]) يحقق الزواج السعيد،ولا رجاء يضمن العيش الرغيد،ولا وسيلة تكشفها للناس فتعرف وتفهم وتحب وتتزوج من رجل غني ثري امثل ؛فتركت قيادها للخط ، فزوجها بموظف ضعيف من موظفي وزارة المعارف العمومية.

 

كانت  بسيطة الهندام ،لانها لم تجد زينتها وكانت معذبة النفس لانها لم تعايش طبقتها، والنساء ليس لهن طبقة و لا جنس،و إنما يقوم لهن الجمال والظرف والفتنة مقام الأصل والأسرة ،فلا تري فيهن من تفاوت ، ولا تمايز، الا بالرقة الفطرية، والأناقة الغريزية،والذهن المتصرف المرن فهي التي تجعل من سواسية بنات الشعب سيدات و عقائل.

 

 

كان الألم يلح عليها عنيفا كلما شعرت بأنها خلقت للنعيم والترف ،وهي إنما تعيش في هذا المسكن الحقير بين هذه الجدران العاطلة ،والمقاعد الحائلة،والقماش الزري ([2])  . كانت هذه الأشياء التي لا تفطن إليها امرأة أخري في طبقتها تحرق نفسها بالألم , وتوقد صدرها بالغضب. وكان منظر الخادمة الصغيرة البريوتية ([3]) التي تقوم على تدبير بيتها المتواضع و توقد في قلبها الحسرات اللاذعة والأحلام الحائرة. كانت تحلم بالاواوين ([4]) الصامتة تدبجها الطنافس ([5]) الشرقية, وتضيئها المصابيح البرنزية , وبالخادمين الفارهين في السراويل القصيرة,يرقدان في المقعد الوسيع .

 

وكانت تحلم بالبهو الفخم يغشية الديباج القديم , وبالاثاث الدقيق. يجمله الرياش الكريم , و بالصالون الانيق العطر يجعل لأحاديث العصر مع اخص الأصدقاء وانبه الكبراء , ممن تشتهي النساء استقبالهم.

 

ولما جلست إلى العشاء على المائدة المستديرة امام زوجها , وقد رفع غطاء الحساء , وقال في وجه منبسط واهجة راضية :الله ! ما أطيب هذا اللحم ! أني لم  أشهي منه ولا ألذ , كانت هي تفكر في الأعشية الناعمة الجامعة و وفي الأدوات الفضية الامعة ,

وفي نسائج الوشي  تزين الجدار بصور الاعلام البارزة في  التاريخ, والاطيار الغريبة في غابة. من غاب عبقر ! كانت تفكرفي الألوان الشهية تقدم في الصحاف العجيبة و وفي الملاطفات الغزلة الهامسة وهي تأكل لحم السمك المورد و او الدراج ([6]) المسمن.

 

لم تكن تملك زينة ولا حلية ولا شيئا مما تتزين به المرأة ,وهي لا تريد إلا ذلك, و لا تظن نفسها خلقت لغير ذلك. وطالما ودت أن تكون موضع الإعجاب والغبطة , ومنتجع العيون والافئدة.

وقد كان لها صديقة غنية من رفيقات الدراسة , فكانت تكره ان تزورها , لان الالم الممض كان يرافقها وهي عائدة . وربما ظلت الايام الطوال تسفح الدموع الغزار  إجابة لدواعي الأسف واليأس والحزن.

 

ففي ذات مساء عاد زوحها وعلى وجهه سمة الجلال , وفي يده غلاف عريض و فقال : خذي ! هاك شيئا لك. ثم فض الغلاف بقوة ةأخرج منه بطاقة مطبوعة كتب فيها :

 

 

 

وزير المعارف العمومية وعقيلته يرجوان السيد (لوازيل) وعقيلته أن  يشرفاهما بحضور الحفلة الساهرة التي ستقام في ديوان الوزارة يوم الاثنين الثامن عشر من كانون الثاني .

 

ولكنها بدل أن تنبسط وتغتبط وتدهش كما كان يرجو زوجها رمت البطاقة على المائدة في غضب وسخط وهي تقول :

 

-        ماذا تريد ان اصنع بهذه ؟

-        و لكنني  ظننت انك تسرين بهذا. إنك لا تخرجين ابدا , وهذه فرصة جميلة , حقا جميلة ! ولقد احتملت في سبيل الحصول على هذه البطاقة مالا تتصورين من الجهد والمشقة . كل الناس يرغبون فيها كل الرغبة , ويسعون لها كل السعي. وهم لا يعطون الموظفين منها إلا بقدر. سترين هناك العام الرسمي كله, فنظرت اليه نظرة الغضب , ثم انفجرت قائلة :

 

- ماذا تريد ان اضع علي جسمي هذه الحفلة ؟

 

لم يكن الزوج قد فكر في هذا, ولكنه أجاب في خفوت وغمغمة:

 

-        عندك الثوب الذي تذهبين بت الي المسرح , إنه على ما أرى ملائم كل الملائمة …

 

 

ثم أخذه الدهش و والتوى عليه الكلام حين رأى زوجته تبكيو ةابصر دمعتين غليظتين تنحدران من زاويتي عينيها إالى زاويتي فمها , وقال في تمتمة :

 

-        ماذا بك ؟ ماذا بك ؟

 

فتحاملت على نفسها بالجهد العنيف , وأجابتة بصةت هادئ وهي تمسح الدمع علي خديها:

-        لا شئ غير انني لا أملك ما أتزين به , ولذلك لا أستطيع الذهاب الى الحفلة , فأعط هذه البطاقة زميلا من زملائك تكزن امرأته أحسن مني جهازا, وأتم أهبة. فابتأس الزوج وقال : لنظر في الامر يا ماتيلدة ! كم تكلفنا الزينة البسيطة الملاءمة التي تغنيك في مثل هذه المناسبة؟ ففكرت بضع ثوان تحرر الحساب , وتتحرى المبلغ الذي اذا طلبته لا يثير دهش الموظف الصغير , ولا يوجب رفض الزوج المقتصد, ثم أجابت جواب المتردد :

-        لا أعرف ذلك على وحه الدقة, وأظن اربعمئة فرنكتبلغبي الى هذه الغاية!

 

اصفر وجه الزوج قليلا, لانه كان ادخر هذه المبلغ بتمامه ليشتري به بندقية يصطاد بها في الصيف مع بعض الاصدقاء في سهل (ننتير), ومع ذلك قال لامرأته:

 

ليكن! سأعطيك  أربعمئة فرنك.  فاجتهدي أن يكون لك منها ثوب جميل.

 

دنا يوم الحفل, وهيئت زينة السيدة لوازيل ,ولكنها لا تزال كما يظهر حزينة مهمومة قلقة. فقال لها زوجها ذات ليلية :

 

-        ماذا  تجدين؟ إنك منذ  ثلاثة أيام في حال غريبة.

 

فأجابته:أني  ليحزنني ألا تكون لي حلية. فلا أملك مما تتحلي به النساء شيئا من معدن أو حجر , وسأكون أسوأ من في الحفل زيا وهيئة , وأرى من الخير ألا أذهب في هذه الأمسية

 

فعقب علي قولها بقةله:

 

تتحلين بالزهور الطبيعية. ذلك أجمل شئ وأطرفه في هذا الفصل. وبعشرة فرنكات تبتاعين وردتين او ثلاثم من اندر انواع الورد. فلم يند هذا الكلام عل كبدها القريحة وقالت :كلاوفإن أشد الأشياء هوانا وضراعة أن نظهر في محضر الأغنياء بمظهر الفقراء.

             ولكن زوجها صاح بها قائلا: ما اشد غباءك! اذهبي غال صديقتك السيدة فورستييه فاستعيري منها بعض الحلي, فإن بينكما من قديم الصداقة ووثيق العلاقة ما يتسع لمثل ذلك, فصاحت صيحة فرح وقالت: هذا صحيح! ومن العجب انه لم يجر عل بالي.

 

 وفي صبيحة الفد ذهبت الى صديقتها ,فقصت عليها ما همها وغمها. فلم تكد تسمع شكوتها حتى أسرعت الى خزانتهاو فأخرجت منها صندوقا عريضا وفتحته, وقدمتة الى السيدة لوازيل وهي تقولك اختاري يا عزيزتي.

 

 

 فوقع بصرها أول ما وقع على الأساور , ثم على عقد من اللؤلؤ, ثم على صليب بندقي من الذهب قد رصعته بالحجارة يد صناع. فجربت على نفسها الحلي في المرأة , ثم أخذتها حيرة فلم تقطع العزم على ما تأخذ وما تدع و فقالت لصديقتها: ألم يعد لديكي شئ آخر؟

فأجابتها : بلى! ابحثي. فإني لا أعرف ماذا يعجبك؟ وعلى حين بغتة وجدت في علبة من الديباج الاسود قلادة فاخرة من الماس, فخفق قلبها خفوق الرغبة الملحة, ثم تناواتها بيد مضطربة,

وتقلدتها على ثوبها المجهز فإذا هي على ما صورت في الخيال وما قدرت في الامل . فسألت صديقتها غي تردد وقلق: اتستطيعين أن تعيريني هذه القلادة! لا شئ إلا هذه القلادةو فاجابتها صديقتها: نعم ولا شك. فأهوت على نحرها  تقبله في حمية وطرب, ثم ولت مسرعة بهذا الكنز.

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                         

المزيد


القلب الواشي . إدغار ألن بو

أغسطس 29th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

نعم هذا صحيح.. أنا عصبي المزاج.. كنت عصبيا جدا. ولكني لست مجنونا.. لا لست مجنونا.. لا يسمى هذا جنونا. مرضي هذا جعل حواسي أكثر حدة.. لا لم يدمرها ولم يضعفها بل بالعكس زاد من سمعي.. سمعت كل ما دار في السماء من فوقي وفي الأرض من تحتي.. بل حتى سمعت الكثير مما دار في الجحيم.. فكيف إذن تتهمونني بالجنون؟ اسمعوا.. اصفوا الي.. سأروي لكم القصة من ألفها الى يائها.. لاحظوا.. لاحظوا ثقتي بنفسي وهدوء أعصابي وأنا أروي لكم قصتي..

من المستحيل لأحد أن يعرف كيف دخلت الفكرة رأسي ولكن.. ولكن ما إن تبلورت الفكرة في رأسي حتى استحوذت على تفكيري وأصبحت تؤرقني ليل نهار.. لم.. لم يكن لدي سبب أو هدف للقيام بما فعلته.. ولكن.. كنت أحب الرجل العجوز… لم يظلمني أبدا.. ولم يسبق له أن أهانني يوما أبدا.. ولا تعتقدوا أن الذهب الذي يملكه أغراني.. لا.. لا.. لا!!! بل ما كان يهيج تفكيري أعظم من ذلك.. نعم.. أعظم.. انها.. انها عينه.. نعم.. هي.. هي عينه اللعينة.. ولا شيء غيرها.. كانت.. كانت.. عينه أشبه بعين النسر!! عين زرقاء شاحبة اللون.. كانت تحوي قصة ما.. نعم.. وحينما تنظر إلي أشعر ان الدم يتجمد في عروقي.. وبعد ذلك.. بدأت الأفكار تتكون في رأسي الفكرة تلو الأخرى وقليلا.. قليلا قررت.. نعم.. قررت أن أضع حدا لحياة هذا العجوز.. وهكذا.. هكذا أخلص نفسي من تلك العين اللعينة للأبد.. آه.. للأبد..

والآن هذا هو المهم في الموضوع.. تظنونني مجنونا.. آه.. آه.؟. المجانين لا يعلمون شيئا أبدا.. ولو كنت قد رأيتموني فقط.. فقط كيف كنت أمضي بكل ثقة وحذر وبصيرة وكثيرا من التصنع عندما ذهبت لأداء ما أنوي فعله، لم أكن أبدا.. أبدا حنونا على الرجل العجوز مثلما كنت قبل أسبوع من قتله.. نعم.. كنت في غاية الهدوء.. وكنت في كل ليلة أي تقريبا في منتصف الليل أمسك مزلاج الباب وافتحه.. نعم.. بهدوء شديد وعندما أشعر ان

فتحة الباب أصبحت كافية لأن أحشر رأسي، أضع فانوسا مظلما وكل شيء يكون مغلقا.. بل.. بل محكم الإغلاق.. حتى انه لا يرى أي ضوء ومن ثم أحشر رأسي. ها.. ها.. ها كنتم فعلا ستشعرون بالضحك لو رأيتم كيف أدخل رأسي بكل حذر وبعدها أمشي ببط ء شديد.. نعم شديد جدا جدا.. حتى لا أوقظ العجوز المسكين من نومه ها هاها.. ولكن هل تصدقون بأن ذلك استغرق مني ساعة كاملة حتى أستطيع ادخال رأسي من الباب وأرى العجوز وهو نائم بكل هدوء في فراشه… فاهاها.. ها ها هل تظنون بان هناك مجنونا يملك كل هذه الحصافة.. وبعدها وعندما تأكدت بأن رأسي كان داخل الغرفة تماما أطفأت الفانوس بحذر.. أوه بحذر شديد.. شديد جدا- لأنه كان يحدث شيئا من الصرير- أطفأته حتى لم يبق سوى شعاع خافت جدا وقع على عين النسر والتي كانت مغمضة وبذلك تعذر علي إتمام ما كنت أنوي فعله.. لأن ما كان يستثير غضبي ليس الرجل العجوز بل.. بل كانت عينه الشريرة وهذا ما فعلته طوال سبع ليال متواصلة ولكنني في كل مرة أجد عينه مغمضة.. ومع ذلك كنت في كل صباح، وعندما يبدأ النهار.. أذهب الى الغرفة بكل جرأة وأتكلم بكل شجاعة اليه.. أناديه يا عم.. وأستفسر منه كيف قضى ليلته. لاحظوا كم هو عجوز هذا الرجل.. فعلا ليراوده الشك بأنه كل ليلة.. وفي الساعة الثانية عشرة تحديدا.. أنظر اليه وهو نائم في كوخه.

وفي الليلة الثامنة تحديدا كنت أكثر حذرا من بقية الليالي في فتح الباب.. هل تصدقون أن عقرب الدقائق في الساعة على الرغم من بطئه يتحرك بسرعة أكبرهما كنت افعل أنا.. لقد حدث ذلك فعلا وفي تلك الليلة فقط شعرت بمدى قوتي وحصافتي.. لم.. لم.. أكن قادرا على كتم شعور النصر الذي كان يتأجج بداخلي بمجرد تفكيري أنني مازلت هناك - أفتح الباب - شيئا فشيئا.. وهو لم يكن يحلم حتى بما كنت أنوي فعله أو ما أفكر فيه.. ضحكت بخبث على هذه الأفكار الجهنمية.. وربما سمعني لأنه تحرك فجأة في السرير كما لو أن شيئا أفزعه، أعلم أنكم ستفكرون أني هربت ولكن.. لا.. هيهات كانت غرفته سوداء حالكة الظلام كالفحم.. كان الظلام شديدا.. شديدا جدا - فالنوافذ كانت محكمة الإغلاق - وذلك خوفا من اللصوص ولذا عرفت بأنه لا يمكن رؤية فتحة الباب واستمررت أدفعه بثبات، ثبات شديد.. وبهدوء شديد.

في تلك اللحظة كان رأسي أصبح داخل الغرفة تماما وكنت على وشك إشعال الفانوس، حين انزلق ابهامي من على الفانوس فنهض العجوز مفزوعا وصرخ من هناك ؟ من ؟.. بقيت صامتا ولم أنبس بكلمة. لساعة كاملة لم أحرك حتى عضلة واحدة، وطوال ذلك الوقت لم يضطجع العجوز كان لايزال منتصبا في السرير يستمع.. وكما فعلت ليلة بعد أخرى، أجده.. يصغي لساعات الموت تتردد بين الجدران، وفي هذا الوقت سمعت تأوها وعرفت انه أنين الرعب والهلاك.. لا… لا لم تكن تلك صرخة ألم أو حزن لا.. بل هو ذلك الأنين الضعيف الذي ينبع من باطن الروح عندما تزيد رهبتها نعم.. نعم.. عرفت الصوت جيدا.. كان الكثير منه في تلك الليلة.. بل في منتصف كل ليلة.. وعندما يكون الجميع نياما.. يتدفق هذا الصوت من صدري عميقا ومخيفا جدا.. ذلك الرعب الذي لم يضايقني سواه وأنا أحاول إتمام ما كنت أنوي فعله.. أخبرتكم أني أعرف جيدا!! كنت أعلم ما هو إحساس العجوز وكنت أشعر بالشفقة تجاه هذا المسكين بالرغم من أني في الواقع كنت أضحك عليه وعلى طيبته الزائدة، عرفت أن المسكين كان مستلقيا ولكنه ظل يقظا بعد الهلع الذي سيطر عليه في المرة الأولى.. حينما انقلب في سريره. وكان رعبه يزداد لحظة إثر أخرى.. وكان.. وكان يحاول الا يعيرها أي اهتمام ولكن لم يستطع فعل ذلك. كان يردد في نفسه دائما لا شيء… لم يكن إلا صوت الرياح في المدخنة… أو لعله فأر يمشي على الأرض… لا… لا لا…. بل إنه صوت صر صار الليل. نعم… إنه… هو… دون جدوى… نعم دون جدوى… لأن الموت كان يطارده كظله بل أكثر من ذلك وكان تأثير الشعور بالموت، الموت على الضحية شديدا جدا… وكانت شدة تأثره تدعو للرثاء وهو في هذه الحالة المؤسفة عندما أحس بالظل على الرغم من انه لم يكن مرئيا… وهذا هو سبب هلعه - على الرغم من انه لم ير أو يسمع أي شيء- بل لم يشعر حتى بدخول رأسي في هذه الغرفة.

وانتظرت طويلا كان لا يزال منصبا لم يحرك ساكنا… ولذلك وبهدوء كبير صممت علي فتح الباب قليلا واستطعت أن أحدث شقا صفيرا جدا جدا يدخل منه ضوء الفانوس.

وهكذا فتحت الباب… ولا يمكنك أن تتخيل كيف أنه وبكل خلسة كنت أحاول إشعال الفانوس.. حتى أخيرا استطعت أن أشعل شعاعا خافتا مثل خيط العنكبوت، انطلق من الشق ووقع على عين النسر مباشرة.

كانت الفتحة واسعة جدا.. جدا جدا، استطعت من خلالها النظر ولكني شعرت بالقشعريرة في عظامي عندما حدقت فيه.. ورأيت التباين التام في عينه كانت زرقاء باهتة بالكام
المزيد


القط الأسود * إدجار الآن بو

نيسان 7th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

 

 

لست أتوقع منكم، بل لست أطلب أن تصدقوا الوقائع التي أسطرها هنا لقصة هي أغرب القصص وإن كانت في الآن عينه مألوفة للغاية.

سوف أكون مجنوناً لو توقعت أن تصدقوا ذلك، لأن حواسي ذاتها ترفض أن تصدق ماشهدته ولمسته.

غير أنني لست مجنوناً – ومن المؤكد أنني لا أحلم- وإذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من أن أزيح هذا العبئ عن روحي.

 

ما أرمي إليه هو أن أبسط أمام العالم، بوضوح ودقة، وبلا أي تعليق، سلسلة من الوقائع العادية جداً. إنها الوقائع التي عصفت بي أهوالها و واصلت تعذيبي ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها وإذا كنت لا أجد فيها غير الرعب فإنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد.

 

قد يجيء في مقبل الأيام ألمعي حصيف يبين له تفكيره أن هذا الكابوس مجرد أحداث عادية – وربما جاء ألمعي آخر أكثر رصانة وأرسخ منطقاً وتفكيره أقل استعداداً للإثارة من تفكيري، ليرى في الأحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسباب طبيعية ونتائجها المنطقية.

 

عُرِفْت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الإنساني الرقيق، حتى أن رقة قلبي كانت على درجة من الإفراط جعلتني موضوع تندر بين زملائي. وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل أبواي يعبّران عن تدليلهما لي بإهدائي أنواعاً من الحيوانات المنزلية. مع هذه الحيوانات كنت أمضي معظم أوقاتي ، ولم أعرف سعادة تفوق سعادتي حين كنت أطعمها وأداعبها. نمت هذه الطباع الغريبة مع نموي، وكانت لي في طور الرجولة أكبر منابع المتعة.

 

الذين عرفوا مشاعر الولع بكلب أمين ذكي سوف يفهمون بسهولة ما أود قوله عن مدى البهجة المستمدة من العناية بحيوان أليف. إن في تعلق الحيوان بصاحبه تعلقاً ينـكر الـذات ويضـحي بها مايخترق قلب الإنسان الذي هيأت له الظروف أن يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري.

 

تزوجت في سن مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في مزاج زوجتي مالايناقض مزاجي. وإذ لاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون أن تقتني منها الأجناس الأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمع لدينا طيور وأسماك ذهبية وكلب أصيل وأرانب وقرد صغير وقط.

 

كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز، جميل الشكل، أسود اللون بتمامه، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي التي لا أثر للمعتقدات الخرافية في تفكيرها، حين تتحدث عن ذكائه تشير إلى الحكايات الشعبية القديمة التي تعتبر القطط السود سحرة متنكرين. هذه الإشارات لاتعني أنها كانت في يوم من الأيام جادة حول هذه المسألة. أذكر هذا لسبب وحيد هو أنه لم يرد إلى ذهني قبل هذه اللحظة.

 

كان بلوتو – وهذا هو اسم القط- حيواني المدلل وأنيسي المفضل، أطعمه بنفسي، ويلازمني حيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشوارع.

 

دامت صداقتنا على هذه الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل ادماني على المسكرات (إني أحمرّ خجلاً إذ أعترف بذلك) ويوما بعد يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي، واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين. ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأت إلى العنف الجسدي في التعامل معها.

وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغير في مزاجي. ولم أكتف بإهمالها بل أسأت معاملتها. وإذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون إساءتي إليه فإنني لم أستشعر دائماً في الإساءة إلى الأرانب أو القرد، أو حتى الكلب، كلما اقتربت مني مصادفة أو بدافع عاطفي. غير أن مرضي قد تغلب علي – وأي مرض كالمسكرات!- ومع الأيام حتى بلوتو الذي صار هرماً ومن ثم عنيداً نكداً بدأ يعاني من نتائج مزاجي المعتل.

 

ذات ليل كنت عائداً إلى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر؛ وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري؛ فقبضت عليه، وإذ أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة. وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي؛ وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر. فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها! إنني أحتقن، أحترق، أرتعد حين أكتب تفاصيل هذه الفظاعة الجهنمية.

 

لما استعدت رشدي في الصباح – لما نام هياج الفسوق الذي شهده الليل- عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التي ارتكبتها، غير أن ذلك كان في أحسن الحالات شعوراً ضعيفاً وملتبساً لم يبلغ مني الأعماق. ومن جديد استحوذ علي الإفراط في الشراب. وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرى لتلك الواقعة.

 

في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً لكن لم يبد عليه أنه يتألم، وعاد يتنقل في البيت كسابق عهده، غير أنه كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منه. كانت ماتزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبني ذات يوم. لكن سرعان ماحل الانزعاج محل الحزن. وأخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لانهوض منه. هذه الروح لاتوليها الفلسفة أي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً من وجود روحي في الحياة أكثر من ثقتي أن الانحراف واحد من الموازع البدئية في القلب البشري، واحد من الملكات أو المشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان. من منا لم يضبط نفسه عشرات المرات وهو يقترف إثماً أو حماقة لا لسبب غير كون هذا العمل محرماً؟ أليس لدينا ميل دائم، حتى في أحسن حالات وعينا، إلى خرق مايعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنه قانون؟ روح الانحراف هذه هي التي تحركت تدفعني إلى السقوط النهائي. إنها رغبة النفس الدفينة لمشاكسة ذاتها – لتهشيم طبيعة ذاتها- لاقتراف الإثم لوجه الإثم، هذه الرغبة التي لايسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الأذى ضد الحيوان الأعزل، وأخيراً الإجهاز عليه.

 

ذات صباح وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقه أنشوطة وعلقته بغصن شجرة ..شنقته والدموع تتدفق من عيني، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم؛ شنقته لعلمي أنني بذلك أقترف خطيئة،خطيئة مميتة سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي، وتنزلها إن كان أمر كهذا معقولاً، حيث لاتبلغها رحمة أرحم الراحمين والمنتقم الجبار.

 

في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع، استيقظت من النوم على صوت النيران. كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكامله يشتعل. ولم ننج أنا وزوجتي والخادم من الهلاك إلا بصعوبة كبيرة. كان الدمار تاماً. ابتلعت النيران كل ما أملك في هذه الدنيا، واستسلمت مذ ذاك للقنوط واليأس.

 

لم يبلغ بي الضعف مبلغاً يجعلني أسعى لإقامة علاقة سببية

المزيد


عابر سبيل …. أحلام مستغانمي

نيسان 2nd, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

 

 1207146242.doc

 

 

 


ذاكرة الجسد …. أحلام مستغانمي

نيسان 1st, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

1207063830.doc

 

 


فوضى الحواس …….

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

1206697224.doc1206697329.docفوضى الحواس ….. كاملة ……..

 

 

 

 


فوضى الحواس ج5

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

- 14لا جدوى من الاحتماء بمظلة الكلمات.. فالصمت أمام المطر أجمل.

لم تناقشه في رأية.
اكتفت بوهم امتلاكه, مسجونا هكذا معها في يوم ممطر, داخل سيارة, تتقاسم معه أنفاسه, ورائحة تبغه, وصوت المفاتيح في جيبه, وهو يبحث عن ولّاعة.
تراقبه في دفء تململه البطيء جوارها, وحضوره الهادئ المربك, بمحاذاة أنوثتها, مأخوذة بكلّ تفاصيل رجولته.
لطالما دوّختها تفاصيل الرّجولة, تلك التي لها كبرياء الإيحاء, وذلك الاستفزاز الحميميّ الصامت الذي تشي به ذبذبات لا علاقة لها بالفحولة, تلتقطها الأنوثة.. وتقع في عبوديتها النساء.

بعدها عادت إلى البيت باكتشاف صنع في شتاءاتٍ أخرى حزنها.
فقد أدركت, من فرط سعادتها معه يومها, أنّنا لسنا متساوين أمام المطر. ولذا, عندما يغادرنا الحبّ, ونجد أنفسنا وحيدين في مواجهته, علينا أن نتجاهل نداءه العشقيّ الموجع, واستفزازه السادي لنا, كي لا يزيد من ألمنا, كوننا ندري تماما أنه يصنع, في اللحظة نفسها, سعادة عشّاق آخرين.
أجل.. أحيانا, ليس أكثر ظلما من المطر!

وهي ما زالت تتساءل لأيّة نشرة جوية تراه يعدها.
هل عاد لأنه يريدها؟ أم هل جاء استباقا لرائحة التراب بعد المطر؟
هو الذي لا يحب من الصحو سوى تلك التربة المبللة التي يخلفها الشتاء. فيستنشق رائحتها, بحواس متوهجة, وكأنه يشتمّ أنثاه بعد الحبّ.
ولكنه سألها:
-
هل أراك غداً؟ فكرت أنه يكون جميلاً, لو ذهبنا لمشاهدة ذلك الفيلم معاً.. في يوم ممطر.
وقبل أن تسأله عن أيّ فيلم يتحدّث. واصل:
-
أتدرين أنّه مازال يعرض في القاعة نفسها منذ شهرين؟ إنها عمر قطيعتنا.
لم تحاول هذه المرّة أن تخترع له أعذارا. سألته فقط:
-
أين نلتقي؟ قال:
-
في سينما "أولمبيك" قبل عرض الساعة الرابعة. ثم استدرك:
- 15
أو إذا شئتِ.. انتظريني عند مدخل الجامعة. سأمرّ وأخذك من هناك, عند الساعة الثالثة والنّصف هذا أفضل.
وقبل أن يمنحها وقتاً تقول فيه شيئاً, كان قد وضع السماعة مودعا, ليتركها من جديد لأسئلتها.

* * * *

سعدت بهذه النهاية, التي لم أجهد نفسي كثيرا في العثور عليها. حتى أنني كتبتها هكذا كما جاءت. دون أن أفاضلها بأخرى, ودون أن أشطب أي سطر فيها, أو أعيد قراءتها كعادتي أكثر من مرّة.
وكأنني أريد بذلك أن أقنع نفسي بأنني لست من كتبها.
ولكن أليس ثمّة دائما أمر ما تخفيه الكلمات, حتى عندما تأتي بتلقائية مريبة؟ بل إن تدفقها هكذا على نحو أو آخر , هو ما يجب أن يدعو إلى الريبة.
يحدث للغة أن تكون أجمل منا. بل نحن نتجمل بالكلمات نختارها كما نختار ثيابنا, حسب مزاجنا, ونوايانا
المزيد


فوضى الحواس .. الجزء الرابع

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

كما يتوقف نظري أمام رجل, توقف عند ذلك الدفتر. وكأنني وقعت على شيء لم أكن انتظر العثور عليه في ذلك المحل البائس الذي لا أدخله إلا نادرا.
أليست الكتابة كالحب: هدية تجدها فيما لا تتوقع العثور عليها؟

ثمة بيوت لا تستطيع أن تكتب فيها سطرا واحدا, مهما سكنتها, ومهما كانت جميلة. وهذا أمر يبقى دون تفسير منطقي.
وثمة أقلام, تدري منذ اللحظة التي تشتريها فيها.. والكلمة الأولى التي تخطها بها, أنك لن تكتب بها شيئا يستحق الذكر. وأن مزاجها الكسول, ونفسها المتقطع, لن يوصلاك إلى الأنفاق السرية للكلمات.
وثمة دفاتر, تشتريها بحكم العادة فتبقى في جواريرك أشهرا دون أن توقظ فيك مرة تلك الشهوة 11الجارفة للكتابة, أو تتحرش بك كي تخط عليها ولو بضعة أسطر.
ولأنني أعرف هذا, كلما تقدمت بي الكتابة, ازدادت قوة عندي, تلك الحاسة التي تجعلني منذ اللحظة الأولى, أحكم على هذه الأشياء أوْ لَهَا بحدس قلّما يخطئ.

ولذا توقفت أمام ذلك الدفتر, مدفوعة بإحساس يتجاوزني. مأخوذة بهذا "الشيء" الذي لا يميزه عن بقية الأشياء في تلك المكتبة, سوى اقتناعي, أو وهمي بأنه سيعيدني على الكتابة.

 


منذ اللحظة الأولى, شعرت أن بيني وبين هذا الدفتر, ذبذبات ما, تعدني بكتابة نص جميل. على هذا الورق الأبيض الأملس, الذي تضمه مفاصل حديدية. ويغطيه غلاف أسود لامع, لم يكتب عليه أي شيء.
ركضت به إلى البيت. أخفيته, وكأنني أخفي تهمة ما. ولم أخرجه سوى البارحة, لأكتب فيه تلك القصة القصيرة, التي قد يكون عنوانها "صاحب المعطف".

كعادتي عندما أنتهي من الكتابة ليلاً, عدت إلى قراءة ذلك النص أول ما استيقظت.
كنت على عجل. أريد أن أعرف إن كانت تلك قصة جميلة حقاً, كما كانت تبدو لي لحظة كتابتها. وربما كنت أريد أن أتأكد فقط, من أنني كتبت فعلاً, شيئاً ذلك المساء.

لهذا قرأتها عدة مرات, بنشوة متزايدة كلّ مرة. فقد كتبت أخيراً نصاً جميلاً. والأجمل أنه خارج ذاتي. وأنني تصورت فيه كل شيء. وخلقت فيه كلّ شيء. وقررت أن لا أتدخل فيه بشيء. وأن لا أسرب إليه بعضاً من حياتي.

وهذا في حد ذاته إنجاز أدهشني. فأنا لم يحدث يوماً أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل. في نفوره الجذاب, وحضوره المربك, رجل يغشاه غموض الصمت والتباسه, وله هذه القدرة الخرافية على خلق حالة من الارتباك الجميل, كلما تحدّث, حتى لو كان ذلك, وهو يلفظ إحدى تلك الكلمات القاطعة, التي يتسلّى باختيارها حسب المناسبة.

وتلك المرأة أيضاً لا تشبهني. إنها تنطق بعكس ما كنت سأقول, وتتصرف بعكس ما كنت سأفعل. وهي تعتقد بحماقة أنثى, أن الذين نحبهم, خلقوا ليتقاسموا معنا المتعة, لا الألم, وأن 12على الرجل الذي يحبّها أن يبكي وحده. ثم يأتي يتمتع بها, أو معها.

بل إنها من سذاجتها, وجدت في تَيْنِكَ الكلمتين اللتين لفظهما دليلاً على حبه لها.
في الواقع, إن يجبها عن سؤالها "كيف أنت؟". بقوله "أنا مطابق لك.. تماماً". فهذا لا يعني سوى أنّه قرر أن لا يقول لها شيئاً.

وإذا كان ما أسعدني في هذه القصة, كونها ليست مطابقة لحياتي, فإن مطابقتها للحياة أمر جعلني أنزعج من هذا المنطق العجيب للأقدار, الذي يجعل دائماً في كل علاقة, بين رجل وامرأة, طرفاً لا يستحق الآخر. وربما تمنيّت سراً, لو كان هذا الرجل لي. إنه على قياس صمتي ولغتي. وهو مطابق لمزاج حزني وشهوتي.

ولكن هذه لم تكن مشكلتي. وتلك القصة لم تكن قصتي. أو بالأحرى, حتى

المزيد


فوضى الحواس .. الجزء الثالث

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

من الواضح أنّه كان يتعمّد تجنّب الاستعانة به, لتخفيف ألم الفقدان.
تذكر الآن ذلك اليوم الذي قالت له فيه "أريد لنا فراقاً جميلاً.."
ولكنه أجاب بسخرية مستترة "وهل ثمة فراق جميل؟".
أحيانا كان يبدو لها طاغية يلهو بمقصلة اللغة.
8كان رجلاً مأخوذاً بالكلمات القاطعة, والمواقف الحاسمة.
وكانت هي امرأة تجلس على أرجوحة "ربما".
فكيف للّغة أن تسعهما معاً؟

هو لم يقل سوى "كيف أنت؟" وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يربكها الجواب عن سؤال كهذا.
وإذ بها تكتشف كم هي رهيبة الأسئلة البديهية في بساطتها, تلك التي نجيب عنها دون تفكير كل يوم, غرباء لا يعنيهم أمرنا في النهاية, ولا يعنينا أن يصدقوا جوابا لا يقل نفاقا عن سؤالهم.
ولكن مع آخرين, كم يلزمنا من الذكاء, لنخفي باللغة جرحنا؟
بعض الأسئلة استدراج لشماتة, وعلامة الاستفهام فيها, ضحكة إعجاز, حتّى عندما تأتي في صوت دافئ كان يوما صوت من أحببنا.

"كيف أنتِ؟"
صيغة كاذبة لسؤال آخر. وعلينا في هذه الحالات, أن لا نخطئ في إعرابها.
فالمبتدأ هنا, ليس الذي نتوقعه. إنه ضمير مستتر للتحدي, تقديره "كيف أنت من دوني أنا؟"
أما الخبر.. فكل مذاهب الحب تتفق عليه.
من الأسهل علينا تقبل موت من نحب. على تقبل فكرة فقدانه, واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا.
ذلك أن في الموت تساويا في الفقدان, نجد فيه عزاءنا.

كانت تفاضل بين جواب وآخر, عندما تنّبهت إلى أن جلستهما قد أصبحت فجأة معركة عاطفية صامتة. تدار بأسلحة لغوية منتقاة بعناية فائقة.
وإذ بالطاولة المربعة التي تفصلهما, تصبح رقعة شطرنج, اختار فيها كل واحد لونه ومكانه. واضعا أمامه جيشا.. وأحصنة وقلاعا من ألغام الصمت, استعدادا للمنازلة.
أجابته بنيّة المباغتة:
-
الحمد لله..
الأديان نفسها, التي تحثنا على الصدق, تمنحنا تعابير فضفاضة بحيث يمكن أن نحملها أكثر من معنى. أوليست اللغة أداة ارتياب؟
أضافت بزهو من يكتسح المربع الأول:
- 9
وأنت؟
ها هي تتقدم نحو مساحة شكه, وتجرده من حصانه الأول. فهو لم يتعود أن يراها تضع الإيمان برنسا لغويا على كتفيها.
ظلت عيناها تتابعانه.
هل سيخلع معطفه أخيراً, ويقول إنه مشتاق إليها. وأنه لم يحدث أن نسيها يوماً؟
أم تراه سيرفع قبة ذلك المعطف
المزيد


فوضى الحواس … الجزء الثاني ……

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

يمكن أن تقول له فيها "ألو.. كيف أنت؟" دون أن تكون قد انهزمت تماماً؟
في تمويه لإخفاقات عشقيَّة, عرضت عليه يوماً أن يصبحا صديقين.
أجابها ضاحكاً "لا أعرف مصادقة جسد أشتهيه". كادت تسعد, لولا أنه أضاف " أنت أشهى عندما ترحلين.. ثمة نساء يصبحن أجمل في الغياب".
ولم تفهم ما الذي كان يعنيه.
أما الذي كان يعنيها, فأن تستمع إليه.
هوذا, لم يتغير. ما زال يتوق إلى الكلام الذي لا يقال بغير العينين. وهي لا تملك إلاّ أن تصمت, كي ينصتا معاً إلى صخب الصمت بين عاشقين سابقين.
بين نظرتين, يتابع الحب تهرّبه العابث. وذاكرة العشق ترتبك.
مع عاشق آخر, كان بإمكانها أن تخلق الآن ضجة وضحكاً.
أن تختلق الآن للصمت صوتاً, يغطّي على صمتها. أن تخلق الآن إجابة لكل سؤال.
ولكن معه, هي تحتفظ بالأسئلة, أو تطرحها عليه دفعة واحدة, دون صوت, بل بذبذبات صمت وحده يعرفها.
وهو يقول دون أن يطفئ سيجارته تماماً, دون أن يشعل رماد الأحلام, دون أن يقول شيئاً بالتحديد, دون أن يقول شيئاُ إطلاقاً, كان يعترف لها بأنه تغيّر كثيراً منذ 1لك الحين.
هو رجل يشي به سكوته المفاجئ بين كلمتين.
ولذا يصبح الصمت معه حالة لغوية, وأحيانا حالة جوية, تتحكم فيها غيمة مفاجئة للذكرى.
حتمًا.. كان به شيء من الساديّة.
واللحظة أيضًا تراه مغريًا وموجعًا في آن واحد. ولم تسأله لماذا هو كذلك.
أيمكن للإغراء أن يكون طيباً؟ هو الذي يوقظ شراسة الأحلام فينا..
 ***6   هي كانت تريد أن تسأله فقط: كيف هو؟
ولكن قبل أن تقول شيئاً, سرق منها السؤال نفسه الذي لن يطرح غيره بعد ذلك, وقال: كيف أنت؟
بين ابتسامتين لفّ حول عنقه السؤال ربطة عنق من الكذب الأنيق. وعاد إلى صمته.
أكان يخاف على الكلمات من البرد؟ أم يخاف عليها هي من الأسئلة؟
الأسئلة غالباً خدعة, أي كذبة مهذبة نستدرج بها الآخرين إلى كذبة أكبر.
هو نفسه قال هذا في يوم بعيد, قبل أن..
تذكر قوله "تحاشَيْ معي الأسئلة. كي لا تجبريني على الكذب. يبدأ الكذب حقاً عندما نكون مرغمين على الجواب. ما عدا هذا, فكل ما سأقوله لك من تلقاء نفسي, هو صادق".

يومها حفظت الدرس جيّداً. وحاولت أن تخلق لغة جديدة على قياسه, لغة دون علامات استفهام.
كانت تنتظر أن تأتي الأجوبة. وعندها فقط كانت تضعها أسفل أسئلتها, دون أن تنسى أن تتبعها بعلامات تعجب, وغالباً بعلامات إعجاب.
تدريجيّاً, وجدت في فلسفته في التحاور, من
المزيد


فوضى الحواس .. أحلام مستغانمي

آذار 28th, 2008 كتبها عمر موسى نشر في , القصة والرواية ... منقول

الجزء الأول

 

 

بدءًا

عكس الناس, كان يريد أن يختبر بها الإخلاص. أن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع, أن يربي حبًا وسط ألغام الحواس.
هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها إليه.
هو الذي بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه. كم كان يلزمها من الإيمان, كي تقاوم نظرته!
كم كان يلزمه من الصمت, كي لا تشي به الحرائق!
هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى. تماما, كما يعرف ملامسة الكلمات. بالاشتعال المستتر نفسه.
يحتضنها من الخلف, كما يحتضن جملة هاربة, بشيء من الكسل لكاذب.
 2  شفتاه تعبرانها ببطء متعمّد, على مسافة مدروسة للإثارة.
تمرّان بمحاذاة شفتيها, دون أن تقبلاهما تمامًا. تنزلقان نحو عنقها, دون أن تلامساه حقّاً. ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمّد نفسه. وكأنّه كان يقبّلها بأنفاسه, لا غير.
هذا لرجل الذي يرسم بشفتيه قدرها, ويكتبها ويمحوها من غير أن يقبلها, كيف لها أن تنسى.. كلّ ما لم يحدث بينه وبينها؟
في ساعة متأخرة من الشوق, يداهمها حبه.
هو, رجل الوقت ليلا, يأتي في ساعة متأخره من الذكرى. يباغتها بين نسيان واخر. يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل.
تمتطي إليه جنونها, وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق, وخيول الشوق الوحشية تأخذها إليه.
هو رجل الوقت سهوًا. حبه حالة ضوئية. في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء إلى دهاليز نفسها. يوقظ رغباتها المستترة. يشعل كل شيء في داخلها.. ويمضي.
فتجلس, في المقعد المواجه لغيابه, هناك.. حيث جلس يومًا مقابلاً لدهشتها. تستعيد به انبهارها الأوّل.
هو.. رجل الوقت عطرًا. ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه؟ وثمة هدنة مع الحب, خرقها حبه. ومقعد للذاكرة, ما زال شاغراً بعده. وأبواب مواربة للترقب. وامرأة.. ريثما يأتي, تحبّه كما لو أنه لن يأتي. كي يجيء.
لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقًا. تخاف أن يشي به فرحها المباغت, بعدما لم يشِ غير لحبر بغيابه.
أن يأتي, لو يأتي.
كم يلزمها من الأكاذيب, كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت! كم يلزمها من الصدق, كي تقنعه أنها انتظرته حقّا!
لو..
كعادته, بمحاذاة الحب يمر, فلن تسأله أيّ طريق سلك للذكرى, ومن دلّه على امرأة, لفرط ما انتظرته, لم تعد تنتظر.
لو..
بين مطار وطائرة, انجرف به الشوق إليها فلن تصدق أنه استدل على النسيان بالذاكرة. ولن            

3 تسأله عن أسباب هبوطه الاضطراريّ.
فهي تدري, كنساء البحّارة تدري, أن البحر سيسرقه منها وأنّه رجل الإقلاع.. حتمًا.
ريثما يأتي.
هو سيد الوقت ليلاُ. سيد المستحيلات. والهاتف العابر للقارّات. والحزن العابر للأمسيات. والانبهار الدائم بليل أوّل.
ريثما يعود ثانية حبيبها, ريثما تعود من جديد حبيبته, مازالت في كل ساعة متأخرة من الليل تتساءل.. ماذا تراه الآن يفعل؟

اليوم عاد..
هو الرجل الذي تنطبق عليه دوماً, مقولة أوسكار وايلد "خلق الإنسان الّلغة ليخفي بها مشاعره". مازال كلّما تحدث تكسوه اللغة, ويعريه الصمت بين الجمل.
وهي ما زالت انثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات عن ضجر جسدي.. على عجل.
هيَذي عارية الصوت. تكسو كلمات اللقاء

المزيد





أنا يا عصفورة الشجن= مثل عينيك بلا وطن
بي كما بالطفل تسرقه= أول الليل يد الوسن
واغتراب بي وبي فرح= كارتحال البحر بالسفن
أنا لا أرض ولا سكن= أنا عيناك هما سكني
راجع من صوب أغنيةٍ= يا زمانا ضاع في الزمن
صوتها يبكي فأحمله= بين زهر الصمت والوهن
من حدود الأمس يا حلماً= زارني طيراً على غصن
أي وهمٍ أنت عشت به =كنت في البال ولم تكن

مرسي جميل عزيز