سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر
نادَى مِن الحانِِ: غُفاةَ البشَر
هبُّوا امْلأوا كأسَ الطّلَى قبَل أن
تَفعَمَ كأسَ العمرِ كفُّ القدَر
أحسُّ في نفسي دبيب الفناء
ولم أُصِبْ في العيشِ إلاّ الشقاء
يا حَسْرَتَا إن حانَ حيني ولم
يُتَحْ لفكري حلُّ لُغزِ القضاء
أَفِقْ وهاتِ الكأسَ أَنْعمْ بها
واكشفْ خفايا النفس مِن حُجْبِها
ورَوِّ أوصالي بها قَبلَما
يُصاغ دَن ُّ الخمر مِن تُربها
تروحُ أيامي ولا تَغْتَدِي
كما تَهُبُّ الريحُ في الفَدْفَد ِ
وما طويتُ النفس همّاً عَلى
يومين: أمسِ المُنْقَضى والغدِ
غدٌ بُِظهرِ الغيبَ واليوم لي
وكم يخيبُ الظنُّ في المُقْبِلِ
ولَستُ بالغافلِ حتى أرى
جمالَ دنيايَ ولا أجْتَلي
سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ
ما فتَّقَ النّومُ كِمام َ الشبابَ
أَفِقْ فإنَّ النّوم صِنْو ُ الرَّدى
واشرب فَمَثْواكَ فراشُ الترابَ
قَد مزَّق البدرُ ستَارَ الظلام
فاغْنَمْ صَفَا الوقت وهات المُدام
واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا
يَسْري علينا في طِباقِ الرَّغام
سأنْتَحي الموتَ حثيثَ الورود
ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود
هات أسقنيها يا مُنى خاطري
فغايةُ الأيام طولُ الهجود
هات أسقنيها أيهذا النديم
أُخَضِّب ُ مِن الوجهِ اصِفرارَ الهموم
وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطِّلى
وقُدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم
إن تُقتلَع مِن أصلِها سَرْحَتي
وتصبحِ الأغصانُ قَد جفَّتِ
فصغْ وعاء الخمر مِن طينتي
واملأهُ تَسْرِ الروحُ في جثتي
لَبستُ ثوبَ العيش لم أُُسْتَشََر
وحِرتُ فيه بين شتّى الفِكَر
وسوفَ أَنْضُو الثوب عنّي ولم
أُدرك لماذا جئتُ، أينَ المقر
طَوت يدُ الأقدار سِفْر َ الشباب
وصوَّحت تلكَ الغصونُ الرِّطاب
وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى
متى أتى؟ يا لهفا! أينَ غاب؟
الدهرُ لا يعطي الَّذي نأملُ
وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَلُ
ونحنُ في الدُنيا علَى همّها
يسُوقنا حادي الردى المُعجّلُ
أفق خفيفَ الظِّل هذا السّحَر
وهاتها صرفاً ونَاغِ الوتر
فما أطاَل النّوم عمراً ولا
قصَّر في الأعمارِ طول السهَر
اِشْرَبْ فَمَثْواكََ الترابُ المَهيلِ
بلا حبيب مؤنِسٍ أو خليل
وانْشَقْ عبيرَ العيش في فجرهِ
فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ
كم آلم الدهرُ فؤاداً طعين
وأسلم الروحَ ظعين ٌ حزين
وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ
أسألهُ عن حالةِ الراحلين
يا دهرُ أكثرتَ البلى والخراب
وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب
ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ
يبينْ لو يُنبَش هذا التراب
وكم توالى الليل بعدَ النهار
وطالَ بالأنجمِ هذا المدار
فامشِ الهوينا إنَّ هذا الثرى
مِن أعين ساحرةِ الإحْوِرار
أينَ النديم السمح أينَ الصبوح
فقد أَمَضَّ الهمُّ قلبيَ الجريح
ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى
كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح
نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب
أرواحنا تفدي الثنايا العِذاب
وروح هذا الدنَّ نستّلهُ
ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب
يا نفس ماهذا الأسى والكدر
قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر
هَل ذاقَ حلوَ العفوِ إلاّ الَّذي
أذنبَ والله عفَا واغتفر
نلبسُ بينَ الناس ثوبَ الرِّياء
ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء
وكم سعينا نرتجي مهرباً
فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء
لم تَفتَحِ الأنفسُ بابَ الغيوب
حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب
ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد
يلتئم حتى أَنْكَأَتْه الخطوب
عامل كأهليك الغريبَ الوفي
واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي
وعِفْ زلالاً ليسَ فيه الشفا
واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي
أحسن إلى الأعداء والأصدقاء
فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء
واغفر لأصحابكَ زلاّتهم
وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء
عاشر مِن الناسِ كبار العقول
وجانب الجهّال أهل الفضول
واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ
واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول
أطفىء لظَى القلب ببرد الشراب
فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب
وعيشُنا طيف خيالٍ، فَنل
حظّكَ منهُ قبلَ فَوْتِ الشباب
بستانُ أيامك نامي الشجَر
فكيفَ لا تقطفُ غَضَّ الثمَر
اشرب فهذا اليوم إن أَدْبَرَتْ
به اللَّيالي لم يُعِدْهُ القدر
جادت بساطَ الروض كفُّ السحَاب
فنزِّهِ الطرْفَ وهاتِ الشراب
فهذه الخضرةُ مِن بِعدنا
تنمو علَى أجسادِنا في التراب
وإن توافِ العشبَ عندَ الغدير
وقَد كسَا الأرضَ بساطاً نضير
فامشِ الهُوَيْنا فوقهُ. إنه
غذّتْهُ أوصالُ حبيبٍ طرير
يا نَفسُ قَد آدَك ِ حَمْلُ الحزن
يا روحُ مقدورٌ فراقُ البدن
اِقْطِفْ أزاهيرَ المُنى قبلَ أن
يجفَّ مِن عيشك غضُّ الفََنَن
يحلو ارتشافُ الخمر عندَ الربيع
ونشرُ أزهار الروابي يضوع
وتَعْذُبُ الشكوى إلى فاتنٍ
علَى شفا الوادي الخصيب الينيع
فلا تَتُبْ عن حَسْوِ هذا الشراب
فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب
وكيفَ تصحو وطيور الربى
صدّاحةٌ والروضُ غضّ الجناب
زخارفُ الدُنيا أساس الألم
وطالبُ الدُنيا نديم الندم
فكن خَلِيَّ البال مِن أمرها
فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهَمّ
وأَسْعَدُ الخلقِ قليلُ الفضول
مَن يهجرُ الناسَ ويرضى القليل
كأنهُ عنقاءُ عندَ السّهى
لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول
مَن يحسبِ المالَ أَحَبَّ المُنى
ويزرعِ الأرضَ يريدُ الغِنى
يفارقِ الدُنيا ولم يَختَبِرْ
في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى
سرى بجسمي الغضِّ ماءُ الفناء
وسار في روحي لهيبُ الشقاء
وهِمْتُ مثلَ الريح حتى ذرَت
تُرابَ جسمي عاصفات القضاء
يامَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك
وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك
أسكرَني الإثمُ ولكنّني
صحوْتُ بالآمال في رحمتك
لم أشربِ الخمر ابتغاءَ الطرَبِ
ولا دعتني قلّةٌ في الأدبِ
لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى
إطلاق نفسي، كانَ كلَُّ السببِ
أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء
وكشفِ ما يحجبهُ في الخفاء
فلم أجد أسرارهُ وانقضى
عمري وأحسستُ دبيب الفناء
أطاَل أهلُ الأنَفس الباصره
تفكيرَهم في ذاتِك القادره
ولم تزلْ يا ربُّ أفهامُهم
حيرى كهذي الأنجم الحائره
لم يَجْنِ شيئاً مِن حياتي الوجودُ
ولن يضيرَ الكونَ أنَّي أُبيدُ
وَا حَيْرَتي ما قالَ لي قائلٌ
ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمودُ
إذا انطوى عيشي وحانَ الأجلْ
وسدَّ في وجهي باب الأملْ
قَرَّ حُبَابُ العمر في كأسهِ
فَصَّبها للموتِ ساقي الأزلْ
إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك
فإنّني أطمعُ في رحمتك
وإنَّما يشفعُ لي أنّني
قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك
يا ربُّ هَيِّءْ سببَ الرزق لي
ولا تذقني مِنّة َ المُفضلِ
وابقني نشوانَ كيما أرى
روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ
أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى
ولم أذق في العيشِ طَعْمَ الهَنا
وإنَّني أُشفقُ أن يَنقَضي
عمري وما فارقتُ هذا العَنا
لم يبرحِ الداءُ فؤادِي العليل
ولم أنلْ قصدي وحانَ الرحيل
وفات عمري وأنا جاهلٌ
كتابَ هذا الدهر جمَّ الفصول
صفَا لكَ اليومُ ورقَّ النسيم
وجالَ في الأزهارِ دمعُ الغيوم
ورجّعَ البلبلُ ألحانهُ
يقول هيّا اطْرِبْ وخَلّ الهموم
الدرع لا تمنعُ سهمَ الأجل
والمال لا يدفعهُ إن نزل
وكلُّ ما في عيشنا زائلٌ
لا شىءَ يبقى غيرُ طيب العمل
اللهُ يدري كلَّ ما تُضْمِرُ
يعلمُ ما تُخفي وما تُظهرُ
وإن خدعتَ الناس لم تستطع
خدِاع مَن يطوي ومَن يَنشرُ
وإنَّما بالموت كلٌ رهين
فاطرب فما أنتَ مِن الخالدين
واشرب ولا تَحمل أسىً فادحاً
وخلِّ حَمْلَ الهم للاحقين
رأيتُ خزّافاً رحاهُ تَدور
يَجِدُّ في صَوْغِ دِنانِ الخمور
كأنهُ يخلطُ في طينها
جمجمة الشاهِ بساق الفقير
تَمَلَّكَ الناسَ الهوى والغرور
وفتنةُ الغيدِ وسُكنى القصور
ولو تُزَال الحُجُبُ بانت لهم
زخارفُ الدُنيا وعُقبى الأمور
إن الَّذي تَأنَسُ فيه الوفاء
لا يحفظ الودَّ وعهدَ الإخاء
فعاشرِ الناسَ علَى ريبةٍ
منهم ولا تُكثر مِن الأصدقاء
زاد الندى في الزهرِ حتى غدا
مُنحَنِياً مِن حَمْلِ قَطْر الندى
والكُّمُّ قَد جمعَ أوراقهُ
فظلَّ في زهرِ الربى سيّدا
وأسْعَدُ الخَلْق الَّذي يُرْزَقُ
وبابهُ دونَ الورى مُغلقُ
لا سيَّدٌ فيهم ولا خادم
لهم ولكن وادعٌ مُطلقَ
قلبي في صدري أسيرٌ سجين
تُخجلهُ عشرةُ ماءٍ وطين
وكم جرى عزمي بتحطيمه
فكانَ يَنهاني نداءُ اليقين
مصباحُ قلبي يستمدُ الضياء
مِن طلعةِ الغيدِ ذوات البهاء
لكنّني مثلَ الفراش الَّذي
يسعى إلى النّورِ وفيهِ الفناء
طبعي ائتناسي بالوجوه الحِسان
ودَيْدَني شُرْبُ عِتاقِ الدِنان
فاجمعْ شتات الحظَّ وانعمْ بها
مِن قبلِ أن تَطويكَ كفُّ الزمان
تَعاقبُ الأيام يُدني الأجل
ومَرُّها يطويكَ طيَّ السجِل
وسوف تَفنَى وهي في كرّهِا
فَقَُضَّ ما تغنمهُ في جَذَل
لا تَشْغَلِ البَال بماضي الزمان
ولا يأتي العيش قبلَ الأوان
واغْنَمْ مِن الحاضرِ لذّاتهِ
فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان
قيلَ لدى الحشر يكون الحساب
فيغضب اللهُ الشديدُ العقاب
وما انطوى الرحمن إلاّ علَى
إنالةِ الخير ومَنْحِ الثواب
كانَ الَّذي صوّرني يعلمُ
في الغيبِ ما أجني وما آثمُ
فكيفَ يجزيني علَى أنّني
أجرمتُ والجرمُ قضاً مبرمُ
آتِ اسِقِني كأسَ الطِّلَى السلسلِ
المزيد