ربما أصبحت من هواة ركوب الحمير ..
كتبهاعمر موسى ، في 24 أغسطس 2009 الساعة: 09:42 ص
من محاسن الديمقراطية , أنها لعبة يمكن أن تمارسها وإن تباين الحال واختلف المكان . حتى في ظروف المساءلة والعقاب .. ومخالفات السير
بعد أن تفقد رجل السير سيارتي , قال من خلال ابتسامة , يبدو أنه حفظها عن ظهر قلب : سبع مخالفات : تجاوز السرعة المسموح بها , الإطارات , غاز العادم … وأخيرا العاكس والإطفائية .
قبل أن أعترض تابع قائلا : لن أحرر لك سبع مخالفات , لكني سأعطيك حرية أن تختار مخالفة واحدة .
أعجبني أسلوب رجل السير , فمجرد أنه أعطاني حرية أن أختار . ذلك يعني أنني أصبحت شيئا ذات قيمة .. ومن أدراك , فربما يوما ما أصبحت إنسانا ذات قيمة .
قلت للشرطي : سأترك لك المهمة .. أنت تعلم أن ما يهمني ألا تكون المخالفة مكلفة .
قال : لا بأس , سأكتب لك : عاكس وإطفائية ..
طبعا شكرته على كرم الأخلاق , والسلوك الديمقراطي . ومضيت في سبيلي .
حين كنت أسير بمحاذاة مصفاة البترول , كدت أشعر بالاختناق , خصوصا وأن محطات التنقية تبث روائحها الكثيفة , كأنها ضاقت ذرعا بالكميات الإضافية التي ترد إليها .
طبعا لم يكن من الإنصاف أن أتجاوز السرعة المسموح بها , كي أخرج من الجو الخانق . وذلك لعدة أسباب . إذ ليس من العدل أن أرتكب مخالفة جديدة . وليس من المعقول أن أسرع فأتسبب في حادث قد يودي بحياتي أو حياة مواطن , هو في المحصلة : أغلى ما نملك .
لكن على رأي المثل : إذا حل القدر , بطل الحذر . فقد كان رجل السير يشير لي بالتوقف .
التزمت يمين الطريق , ووقفت . وكما في المرة السابقة تفقد المخالفات .
قال وهو يبتسم : سبع مخالفات .
قلت : لكني لم أتجاوز السرعة !
ــــــ : حزام الأمان والإطارات وغاز العادم … وووو ..
قلت : آه , فهمت .. أرجو أن تحرر لي مخالفة غير مكلفة .
ضحك وهو يقول : سأكتب لك : غاز العادم .. مخالفة بسيطة .. ما رأيك ؟
قلت : شكرا .
تناولت المخالفة .. وتابعت طريقي .
غاز العادم ؟ لكن الوطن يتدثر بالغاز العادم , ويصحو على ترانيم الغاز العادم … ؟ ناهيك عن النفايات النووية التي أتخمت بطن الوطن , وتسببت في إصابة التراب والحجر , بالسرطان . والهرمونات التي جعلت من تناول الفاكهة والخضار والبطيخ .. رهابا لا يؤمل منه شفاء . حاولت أن أعود إلى الشرطي , وأن أطلب منه أن يخالف مصفاة البترول , ومحطات التنقية , وأن يخالف الوطن . لكني هدأت وقد لمعت في رأسي فكرة مباغتة . وتساءلت : كيف للحكومة أن تؤمن للمواطن لقمة عيش في وطن غير ملوث ؟
عند أول محطة : اشتريت إطفائية وعاكس .. في محاولة مني لتقليل مخالفات السيارة .
لم أستمتع طويلا .. حتى ظهرت لي داورية أخرى , وطلبوا مني التوقف . لكني كنت أكثر تماسكا , خصوصا وأني لم أتجاوز السرعة , إضافة إلى وجود عاكس وإطفائية .
التزمت أقصى اليمين ..
تفقد الشرطي السيارة . قال : سبع مخالفات .. وضحك .
قلت : لا تسرد لي المخالفات . حرر لي مخالفة من فضلك .
قال : سأكتب لك : خلل في نظام الستيرنغ ..
قلت : مخالفة بسيطة , أليس كذلك ؟ شكرا لك .
ناولني المخالفة , وتابعت سيري .
نظام الستيرنغ ؟ آه .. حفر , مطبات , طرق انتحارية ..
أليس الوطن هو السبب ؟
هدأت .. ثم همست لنفسي : وكيف تصبح الطرق صالحة للسير , إن لم تكن مخالفات ؟ وبدت لي الحكمة من المخالفات أكثر وضوحا .
لم أكمل مناجاة نفسي حتى وجدت أنني أمام الداورية الرابعة ..
توقفت : طلب مني أن أفتح غطاء الموتور .
قال : يبدو أن الموتور ..
قلت : أجل .. يحتاج إلى توضيب .. وصيانة . لكن أمامي مهام كثيرة عليّ أن أفرغ منها ..
مثلا : أقساط السيارة .. فأنا بصراحة اشتريتها بالتقسيط . كذلك تأمين بنزين السيارة ومصاريفها . ناهيك عن دفع مخالفات السير , التي أصبحت حتى الآن تعادل نصف دخلي السنوي .
والأهم من كل ذلك تأمين لقمة الخبز .. التي يبدو لي أنها أصبحت الهم الأخير .
بينما كان يحاورني تصاعد الدخان من الموتور ..
أطفأت المحرك بسرعة .. لكن النار تصاعدت ..
صرخ الشرطي قائلا : إطفيء السيارة . أين الإطفائية ؟
قلت له وقد شعرت ببرودة تجتاح أعصابي .
الإطفائية في الصندوق الخلفي .. لكني لن أستعملها .. سأتركها تشتعل .
وأعود كما كنت , من رواد الأوتوبيس , والسير على 11 . وربما من هواة ركوب الحمير .
قال الشرطي : سأحرر لك مخالفة .. وأذكر فيها أنك لوثت سماء الوطن .
قلت : يا أخي حرر مليون مخالفة .. لن أدفع أيا منها ..
أما سماء الوطن !
هل تعتقد أن الحياة تستقيم تحت سماء غير ملوثة ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات ..... | السمات:مقالات .....
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























