آذان الإفطار ..
كتبهاعمر موسى ، في 12 أيار 2009 الساعة: 06:58 ص
كان الشيخ طه يختصر المسافة , فيرفع آذان الإفطار من على سطح منزله ,
تاركا أمر الصلاة إلى أن تبتل عروقه ويهدأ جوعه . والناس يراقبونه مع آخر ذيول الشمس التي يبتلعها البحر المتوسط ..
تشخص العيون وتنتظر , تستجدي الشيخ , وتتوسل إليه ألا يتباطأ كعادته .
يبدأ طقوسه بأن ينظر في ساعته . ثم يذرع سطح المنزل بخطى وئيدة لا تعنيها عقارب الزمن .
ما زالت العيون تستجدي , وتدعو الله أن يلهمه الصواب , وألا يلعب بأعصابهم كما يفعل كل يوم .
كعادته , يجلس على كرسي أعدت خصيصا له , بعد أن يستهلكه التعب والجوع . ثم ينظر إلى ساعته , ويطرق برأسه نحو الأرض .
يتبادل الناس الأحاديث والهمهمات .. وينكرون عليه هذا التلكؤ , ويقسم بعضهم أن موعد الآذان قد حان .. لكن المؤذن يتعمد التأخير . فيرد عليه آخر بأن الصيام الصحيح يقتضي أن نلتزم بآذان القرية .
يقف مرة أخرى , يضع يده على أذنه فيستبشر الناس خيرا , وتغرق وجوههم في البشر والفرح .
لكنه يتردد , فينزل يده مرة أخرى , بعد أن يدقق النظر في ساعته , فيعود البؤس وسوء المزاج يكدرالوجوه .
قال أحدهم : زنديق , هذا الرجل زنديق , والغريب أننا ما زلنا نعتبره المرجع الأعلى في هذه القرية ..
رد عليه آخر فقال : وماذا نتوقع من شيخ يقضي معظم وقته في المقهى يلعب الورق ؟
قال آخر : يا جماعة , دخلت عليه منزله منذ يومين , والسيجارة في فمه , وحين سألته : ما هذا يا شيخ ؟
قال : ليس على المريض حرج .. ثم تابع حديثه : ومن قال لك بأن التدخين يفسد الصيام ؟
مجرد هواء يدخل الجوف ثم يخرج ..
عاد يتأمل ساعته … ثم دنا منه طفل صغير , وقد ناوله كأسا . ما لبث أن أفرغه في جوفه ..
"أفطر المؤذن ". قال أحدهم .
ــــــــ : لكنه لم يرفع الآذان بعد .
قال آخر
ــــــــ : تمهلوا قليلا يا جماعة . حتى يرفع الآذان ..
عادت العيون تستجمع بريقها , وتسلطه بكل إخلاص نحو المؤذن ..
وضع الكأس جانبا , ثم جلس على الكرسي , عاد الطفل بيده طعاما . تناوله الشيخ على مهل . ثم عاد ينظر في الساعة .
قال أحدهم : حين يفطر الإمام ,فذلك تصريح بالإفطار , حتى لو لم يرفع الآذان ..
ـــــــ : أسكت , أسكت , إياك أن تفتي في أمور الدين .
لا يجوز الإفطار قبل الآذان .
" ما رأيك يا شيخ علي , فيما يفعله الشيخ طه ؟ " قال أحدهم , موجها حديثه إلى ذلك الشاب , الذي أنهى دراسته الجامعية في الأزهر منذ عام ونيف .
قال الشيخ علي : غدا سأذهب إلى الشيخ طه , وأفاتحه الأمر .. لكني أقترح عليكم ألا تفطروا قبل أن يرفع الآذان ..
فرغ المؤذن من طعامه , وعاد يحدق في الساعة .. وأهل القرية يتابعونه بحنق وغضب .
رفع يده إلى أذنه … فانفرجت الأسارير , وارتفع صوت يقول : الله يسعدك يا شيخ طه .
لكن الشيخ عاد يذرع سطح المنزل وما زالت يده بمحاذاة أذنه .
بعد أن تراخت العيون ..ودب فيها وهن ونعاس , وكادت أن تستسلم لليأس والقنوط , ارتفع صوت المؤذن عاليا , يشق صمت القرية :
الله أكبر .. الله أكبر .
تراكض الناس داخل بيوتهم , تستقبلهم موائد الإفطار .
في اليوم التالي . وفي ذات الموعد . لاحظ أهل القرية رجلين على سطح المنزل : الشيخ طه , والشيخ علي .
" بارك الله فيك يا شيخ علي , لن تحترق أعصابنا هذه الليلة " قال أحدهم ..
عاد الشيخ طه يجول سطح المنزل . والشيخ علي ينظر في ساعته . ثم ما لبث أن تبع الشيخ طه , فأصبح الرجلان يذرعان السطح . كلّ واحد منهما في اتجاه مضاد للآخر . ثم لا يلبثا أن يتقابلا في المنتصف . فيتبادلان الحديث . ويعودان إلى السير .
بعد قليل , ظهر الطفل يحمل ماء .تناولاه معا , وشربا: بترو وهدوء .
ـــــــ : الشيخ علي … لا يختلف .. .
ــــــــ : لا . لا تقل هذا يا رجل . الشيخ علي , رجل مستقيم . لا بد أن ..
أراهن أن الشيخ علي سيرفع الآذان حالا .
ــــــــ : لا إله إلا الله , قاتل الله سوء الظن .
عاد الطفل يحمل طعام الإفطار , جلس الشيخ طه يتناول الطعام , بينما رفع الشيخ علي يده نحو أذنه , فاستبشر الناس وتهللوا ,
بيد أن الشيخ طه جذبه من ثوبه حتى أصبح بجواره . وراح الإثنان يتناولان الطعام ..
قال أحدهم : ساذهب غدا إلى سطح منزل المختار .
وقال آخر : أنا أيضا … سأكون معك ..
وقال ثالث : كلنا سنذهب . كل أهل القرية ..
وسوف نتمشى على السطح , ونجلس على الكرسي . ونتأمل الساعة بين برهة وأخرى ..
ولن ننتظر الآذان ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة .. | السمات:قصة ..
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























مايو 31st, 2009 at 31 مايو 2009 3:41 م
قلب الاسد يعود ليدق من جديد .. فهل من مجيب ؟؟
تحياتي
هبة - قلب الاسد