وعد لم يتحقق .. قصة قصيرة
قبل أن ترسو السفينة .. وقبل أن نطأ تلك الجزيرة .. أوضح لنا القبطان طبيعة المهمة : بناء قصر في غضون شهر ..
نحن بضع عشرات من الرجال .. ألقت بنا الصدف .. واستقر بنا الحال على متن هذه السفينة ... ليس لدينا فرصا قوية للمساومة ... لذلك آثرنا هذا الاستسلام الهاديء .. والإذعان البارد ..
لم نسأل القبطان عن الأجرة ... لكنه بادرنا بقوله : ستكون الأجرة مجزية ..
وسوف تفوق كل تصور ..!
لفت انتباهي هذا النظام الدقيق الذي يسود الجزيرة ... بيوت بيضاء تغفو بأحضان حدائق متشابهة التنسيق ....
يتضمخ الهواء بشذى العبير ... وأنفاس الورود ...وصدى ألحان ترتلها العصافير على أوتار أغصان راحلة ....
شرعنا في تنفيذ المهمة ... بناء القصر .... قصر السلطان ...
من ينفذ التعليمات بدقة ... ويحظى بثقة السلطان .. سيكون له كل شيء ..
كان لا بد أن نوافق على هذا العرض ... خصوصا وأن القبطان أوضح لنا
أن من يعارض يستطيع أن يترك الجزيرة ... ويمضي حيث أعماق البحر ..
كنا نقضي النهار في أعمال البناء ... أعمالنا مراقبة بدقة ... وكذلك أقوالنا ... تمثال السلطان .. كان الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نتأمله على مدار اليوم ... ابتسامة وادعة حانية ... ونظرة ساهمة تعانق أطراف الأفق ..
فوجئنا بالقبطان ذات صباح يوزع علينا أقنعة .. أقنعة لتنقية الهواء .. كم كانت دهشتي حين اكتشفت أن هذه الأقنعة تلوث الهواء ... أجل : فقد شعرنا برائحة نتنة بعد أن ارتدينا تلك الأقنعة ... وحين ابدينا امتعاضنا .. قال القبطان ... : يريد السلطان أن يختبركم ... فمن امتثل للأمر له العقبى ...
هواء الجزيرة يتضمخ بالشذى وأنفاس الورد وروح العبير ... ما يوقظ الغواية في النفس ... ويبعث الوهن ..
من أراد منكم ألا يرتدي القناع له ذلك ... والعقبى للمتقين ...
التزمنا جميعا بارتداء الأقنعة .. والتخلى عن الهواء النقي لشهر أو أقل .. حتى نفوز بعد ذلك بوعد السلطان ..
في اليوم التالي .. طلب منا القبطان ألا نشرب من ماء الينابيع والجداول العذبة ... لما لها من أثر في انحراف الروح ... وطلب منا أن نقبل على مصدر آخر للمياه .. كان ماء أجاجا آسن ..
لم نعارض القبطان .. طالما أن ذلك يرضي السلطان ...
بعد ذلك طلب منا القبطان أن نقتصد في الطعام ... وأن نلتزم الزهد والتقتير ... حتى نحظى بثقة السلطان ..
كنا نترك المائدة والجوع ما زال يعيث وجعا في البطون ... حتى شعرنا بالهزال والضعف ...
بعد أن انقضى الأسبوع الأول من الشهر .. اجتمع بنا القبطان وقال : هل تعلمون ما هو أجركم ؟
قلنا : لا ..
قال : سيوزع عليكم السلطان عشرات الجزر ... أجل .. كل واحد فيكم له جزيرة ... بكل ما فيها من قصور وبساتين وجواري .. وخيرات ..
ابتسمت .. وسألته : لكن .... ! لماذا ...؟
قال : يمتلك السلطان عشرات الجزر ... لا حاجة له بها .. وسوف يوزعها
على من يرى أنه أهلا للثقة ... هذا كل ما في الأمر ..
كان جهدنا يتضاعف... وكنا نلهج بالدعاء .. للقبطان والسلطان ... حتى عاد القبطان في اليوم التالي يقول : أنت أقلهم دعاء .. وذكرا للسلطان ... أخشى عليك سوء العاقبة ..
لم أحر جوابا .. لا أعلم كيف قرأ أفكاري ... فأنا حقا كنت أشك في كل شيء .. كان يخيل لي بأنها حيلة للسيطرة على سير الأمور .. والتحكم في مجرياتها .. لكني الآن أشعر بخوف غامض لا أجد له تفسيرا ..
فكرت في سوء العاقبة ...
لماذا لا أسلم أمري كالآخرين ؟
بدأت ألهج بالدعاء ... وأخلص الولاء للقبطان والسلطان ...
كانت الأيام تمضي .. والقصر على وشك الاكتمال ..
في اليوم الثلاثين ... اكتمل بناء القصر ...
كانت السفينة في انتظارنا على الشاطيء ... كي تنقلنا إلى الجزر .. وعد وحلم ...
لم أصعد إلى السفينة .... اختبأت قريبا من الشاطيء ... واكتفيت بالمراقبة ... لم تبتعد السفينة كثيرا عن الشاطيء ... حتى لاحظتها تترنح وتفقد توازنها ...
ولاحظت قاربا فيه شخص واحد يغادر المكان ...
نظرت إلى القصر ... وأدركت تماما أن هذا القصر الشامخ ... قام على كذبة ..
كذبة تفضحها تلك السفينة ....
التي ما تزال تغرق في عرض البحر .....
كتبها عمر موسى في 08:07 صباحاً ::
عمـر...
كل القصور فى بلادنا تقوم على كذبة ..
لهذا مازالت بلداننا تغرق كل يوم فى اتجاه الهاوية..
رائع ما قرأت هنا ...
مودتى .
الاسم: عمر موسى



